بشارة جرجس

تشييع نصرالله: بين محاولة استعراض القوة ووهن الممانعة

3 دقائق للقراءة

من حق أي فرد أن يختار بحرية ما إذا كان سيشارك في تشييع أمين عام حزب الله السابق السيد حسن نصرالله أو لا يشارك، غير أن من يختار المشاركة يثبت أنه لم يتعلم شيئاً من كل ما جرى.


قيادات حزب الله تؤكد أن المشاركة في التشييع ليست مجرد حضور، بل هي موقف وتجديد للعهد، وبالتالي فإن الامتناع عن المشاركة هو بدوره موقف للمحاسبة، للمقاطعة، ولرفض نهج حزب الله التدميري.



يسعى حزب الله إلى استنهاض شارعه عبر حشد جماهيري واسع خلال مراسم التشييع، في محاولة لترجمة هذا الزخم الشعبي إلى نفوذ سياسي داخلي. لكن مهما بلغ حجم التشييع، فإنه لن يؤثر على المسار الثابت نحو تحييد القرار اللبناني الرسمي عن الهيمنة الإيرانية ونفوذ حزب الله.


والدليل الأبرز على ذلك يتمثل في تعيين الوزير يوسف رجي لوزارة الخارجية، وهو شخصية خارج دائرة الممانعة بالكامل، مما يرسخ معادلة جديدة تحصّن الموقف الرسمي اللبناني ضمن إطار السيادة والإرادة اللبنانية، المدعومتين من الشرعية الدولية والقرارات الأممية.



أما مواقف حزب الله، فباتت محصورة في دائرته، ومعزولة عن التأثير في التوجهات الرسمية للدولة، حيث يتحمل وحده تبعات سياساته إذا ما تعارضت مع مسار الشرعية.


وبالعودة إلى التشييع، فمن المؤكد أنه سيكون حاشداً، تماماً كما كان تشييع قائد فيلق القدس السابق الجنرال قاسم سليماني في إيران عام ٢٠٢٠. غير أن إظهار ضخامة المشهد الجماهيري لمحور الممانعة لا يعكس مسار الأحداث، إذ إن هذا المحور، منذ مقتل سليماني، يسير في منحى انحداري، ولم يعد هناك ما يمكن أن يعيده إلى سابق نفوذه.


نتفهم المشاعر التي ستسود في بيئة حزب الله يوم ٢٣ شباط، حيث سيمتزج خطاب "الانتصار الممتد بلا حدود" مع "رواية المظلومية التي لا مثيل لها في العالم" في مشهد واحد، فيظهر "المنتصرون بصورة الضحية" فيرفعون شعار "هيهات منا الذلة" ليختلط الحابل بالنابل في خدمة التوظيف السياسي، الذي لم يعد متاحاً مهما حاول الحزب.


لو جاء التشييع متواضعاً، لكانت الرسالة إلى الداخل اللبناني أكثر عمقاً وأشد تأثيراً، لكن للأسف، لا يزال حزب الله يؤمن بمنطق فائض القوة، سواء في سلاحه الذي انتهى وهجه، أو في مقاربته السياسية والجماهيرية، وكأن استعراضات القوة، من دون تأثير فعلي على مسار الأمور التي أصبحت بالكامل عكس تيار الممانعة في الإقليم وفي لبنان، يمكنها تغيير المعادلات.


عسى أن يكون يوم التشييع خاتمة للأحزان ولمغامرات الحزب، وبداية لوعي في هذه البيئة تحديداً، نحو رؤية وطنية تضع استقرار وازدهار البلد فوق كل اعتبار—مع أننا نشك في ذلك