تمر اليوم خمسون عاماً كاملة على 13 نيسان 1975، تاريخ اندلاع الحرب اللبنانية، وكأن فصولها لم تُختَتم بعد. نصف قرن من الدوران في حلقة مفرغة، تخللتها اجتياحات ووصايات واغتيالات وتسويات ناقصة وهشة، حوّلت لبنان من وطن إلى ساحة صراع، وشعبه إلى وقودٍ لحروبٍ تفوق قدرته وتستنزفه.
خمسة عقود شهد فيها لبنان محطات قاتمة سوداء لا تزال محفورة عميقاً في الذاكرة الجماعية: بدءاً من اتفاق القاهرة عام 1969 الذي شرّع العمل الفلسطيني المسلّح بقيادة ياسر عرفات داخل الأراضي اللبنانية، ودخولهم إلى بيروت والجنوب والسيطرة على جزء من القرار السياسي اللبناني، والاجتياح الإسرائيلي في حزيران 1982 الذي وصل إلى قلب العاصمة بيروت. وبين هاتين المحطتين، كانت "الوصاية السورية" الطويلة خلال الحرب وبعدها (1976-2005)، والتي أخضعت القرار اللبناني لإرادة نظام الأسد، وعزّزت الانقسامات الداخلية، ورسّخت ثقافة المحاصصة الطائفية القاتلة التي لا مهرب منها في الأنظمة المركزية الجامدة.
لم تنتهِ المعاناة بخروج الجيش السوري في نيسان 2005 إثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري، بل تلتها مرحلة النفوذ الإيراني المتزايد عبر "حزب الله" الذي حوّل لبنان إلى صندوق بريد لصراعات إقليمية ودولية، وجرّه إلى حرب مدمّرة مع إسرائيل في تموز 2006، وحرب الإسناد في 8 تشرين الأول 2023 وما تبعها من دمار وويلات على المناطق الجنوبية والبقاعية والضاحية وتدمير حزب الله وقياداته وما تلاها من توترات أمنية وسياسية.
لم تكن هذه الأحداث مجرد وقائع عابرة، بل شكّلت سلسلة من الضربات التدميرية المتلاحقة التي أصابت الكيان اللبناني في عمقه، وهدّدت المبادئ الميثاقية التي تأسس عليها لبنان عام 1920، وقوّضت ركائز استقلاله منذ عام 1943.
خلال هذه المسيرة الطويلة، قاومت بعض المكوّنات اللبنانية كالمجتمع المسيحي من خلال أحزابه كالكتائب والأحرار والقوات حفاظاً على هويتها وخصوصيتها التاريخية، بينما انجرفت أخرى خلف مشاريع أيديولوجية توسعية من أنظمة إقليمية 'بعثية' وغيرها إسلامية تسعى لتصدير ما يُسمّى بـ”الثورة الإسلامية” والسيطرة على لبنان، وتجسَّد ذلك في مسلسل الاغتيالات السياسية التي طالت العديد من القادة اللبنانيين، بدءاً من الرئيس المنتخب بشير الجميّل عام 1982، والرئيس رينيه معوض عام 1989، والرئيس رفيق الحريري عام 2005، وصولاً إلى بيار الجميّل ومحمد شطح وعشرات آخرين ممّن اختاروا المواجهة كلٌّ بطريقته. كانت النتيجة تفكّكاً مستمراً للثقة بين اللبنانيين، وفقداناً تدريجياً لمفهوم الشراكة الوطنية.
اليوم، صحيح أنّ لبنان تخلّص إلى حدٍّ كبير من الوصايات الخارجية، ليس بفضل قوته الذاتية بل نتيجة تغيّر مصالح القوى الإقليمية والدولية، إلا أنّ الخطر الحقيقي ما زال كامناً في النظام السياسي الداخلي، أي «اتفاق الطائف». هذا الاتفاق استُهلك تماماً بعد ثلاثة عقود ونيّف، ولم يعد صالحاً لبناء دولة حديثة تواكب تطلعات اللبنانيين. نظام مركزي بات يُغذّي الصراعات بين الطوائف، ولا يعكس التعددية اللبنانية، كما لا يمنح الجماعات التاريخية أي دور حقيقي في تقرير مصيرها أو إدارة شؤونها.
هذا النظام لم يحمِ الدولة، بل سهّل هيمنة المافيات والميليشيات، وأفرغ مؤسسات الحكم من مضمونها، ودفع الأجيال الشابة نحو الهجرة الجماعية بحثاً عن مستقبل أفضل. نظام يُنتج الأزمات ويُعمّق الانكماش الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، ويقتل روح المشاركة في الشأن العام.
إنّ التجارب العالمية، من سويسرا إلى كندا وبلجيكا، تؤكد أنّ الحل لا يكمن أبداً في محاولة ترقيع الأنظمة المركزية الفاشلة، بل في بناء نظام سياسي جديد يستوعب التعددية ويحترم الخصوصيات والهويات المختلفة.
في هذا السياق، فإنّ الفدرالية ليست مشروعاً انفصالياً ولا نزعة انعزالية، بل إدارة عقلانية للتنوع اللبناني وتمكين فعلي للمكوّنات ضمن إطار الوحدة الوطنية الجامعة. الفدرالية صيغة عادلة تقوم على التكامل وليس الغلبة، وعلى الشراكة وليس الإلغاء.
الفدرالية، ببساطة، ليست ترفاً فكرياً ولا مشروعاً طائفياً متطرفاً، بل هي رؤية حضارية متقدمة لتحقيق العدالة السياسية والتنمية المتوازنة. هي تحرير للجماعات اللبنانية من حالة استنزاف دائم في الدفاع عن وجودها، وتعزيز لهيبة الدولة عبر تعزيز الحكم الذاتي المحلي وربط المحاسبة بالتمثيل الشعبي الحقيقي.
ندرك جيداً أنّ الانتقال إلى النموذج الفدرالي ليس مهمة سهلة، بل يتطلّب شجاعة سياسية، ونضجاً وطنياً، وحواراً جدياً وصريحاً حول مستقبل لبنان. لكن البديل عن ذلك هو مزيد من الانهيارات المتتالية والأزمات المفتوحة والهجرة الجماعية.
وإذا بقي البعض يصرّ على تخويف اللبنانيين من الفدرالية، فليكن واضحاً ويقل لنا لماذا؟ لأنّ ما يخيفنا فعلاً هو استمرار النظام الحالي، الذي أثبت مراراً أنه وصفة أكيدة للفشل التاريخي.
في الذكرى الخمسين للحرب اللبنانية، لسنا بحاجة إلى خطابات الحنين والبكاء على أطلال الماضي، بل نحن بأمسّ الحاجة إلى الجرأة في الاعتراف بأنّ تكرار التجارب الفاشلة لم يعد مقبولاً. ولنعترف أيضاً أنّ الفدرالية باتت ضرورة وجودية وفرصة حقيقية لإنقاذ لبنان من قدره التراجيدي..!