جولة على سجالات الأسبوع السياسيّة في مواقع التواصل الاجتماعي شملت العناوين التالية: "الرئيس بين جمهورَين غاضبَين"، "وفاة البابا فرنسيس وحّدت اللبنانيين ولكن..."، "مورغان vs وليد"، "العلم اللبناني "مخنوقاً؟"، "بيروت من دون رموز حزبية".
الرئيس بين جمهورَين غاضبَين
بات الحديث عن نزع سلاح "حزب الله" كمن يسير في حقل ألغام، وحين فجّر رئيس الجمهورية جوزاف عون قنبلة سياسية بإعلانه أنّ "عام 2025 سيكون عام نزع السلاح"، لم يتأخّر الردّ، بل جاء حاسماً من قيادة "الحزب" على لسان مسؤول وحدة الارتباط وفيق صفا الذي قال بوضوح: "ليس هناك شيء اسمه نزع سلاح، بل الاستراتيجيّة الدفاعيّة التي وردت في خطاب القسم"، تلاه الأمين العام لـ"الحزب" نعيم قاسم، الذي صرّح بلغة قاطعة: "شيلوها من القاموس".
أما التّصريح الثالث، فأتى عبر منشور على "إكس" للسفير الإيراني في لبنان مجتبى أماني الذي كتب: "إنّ مشروع نزع السلاح هو مؤامرة واضحة ضد الدول".
ولم يقتصر الردّ على القيادات، بل امتدّ إلى جمهور "الحزب"، الذي استخدم نبرة تحدّ بارزة على منصّات التواصل الاجتماعي. فكتبت إحدى الناشطات: "فشرتوا نسلّم السلاح"، فيما علّق آخر مزهوّاً: "صفا سكّر كل النقاش بثلاث ثواني".
وعلى المقلب الآخر، أثارت تصريحات صفا وقاسم موجة من الانتقادات حيث تساءل البعض عن جدوى السلاح الذي لا يُستخدم حتى في الردّ على الغارات الإسرائيلية. وكتب أحدهم متهكماً: "لشو بدن يحتفظوا بالسلاح؟ حتى يصرّحوا وإسرائيل تضرب؟".
أما التصريح الذي أثار الحفيظة الأكبر فكان كلام مجتبى، إذ اعتبره كثيرون تدخّلاً سافراً في الشأن اللبناني الداخلي، فيما علّقت إحدى الناشطات على منشوره بتهكّم: "كيف حال المفاوضات مع الشيطان الأكبر؟". كما عُلم أن وزير الخارجية يوسف رجّي سيستدعي السفير الإيراني على خلفية ما دوّنه، لتلقى خطوته ترحيباً واسعاً من الناشطين المناهضين لإيران، فيما طالبه البعض بطرد السفير من لبنان.
في المقابل، لم يَسلم الرئيس عون من الانتقادات حتى داخل صفوف مؤيّديه. فعلى الرغم من أنّ شريحة واسعة أطلقت حملة دعم اعتبرت موقفه "جريئاً وتاريخياً"، وأنّ "الموضوع انتهى وحُسم مهما بلعط البعض"، عبّر آخرون عن استيائهم لما وصفوه بـ "ليونة الرئيس" تجاه "الحزب"، لا سيّما في قوله إنه ينتظر "الظروف المناسبة لتنفيذ القرار"، إضافة إلى التلميح عن حوار مع "الحزب".
وفي وقت سابق، أثار طرح الرئيس عون دمج عناصر "الحزب" في الجيش موجة استياء من هذا الفريق، ورفض العديد منهم الفكرة فكتب أحدهم "هؤلاء انتماؤهم عقائدي بحت، وولاؤهم للولي الفقيه وليس للوطن وحدوده".
وسط هذه المعمعة، كان الثمن الأكبر من نصيب الجيش اللبناني، الذي سقط له عناصر خلال مهمة نقل ذخائر عائدة لـ "الحزب"، ما رفع من منسوب الغضب على منصات التواصل بسبب زج الجيش في قلب العاصفة.

وفاة البابا فرنسيس وحّدت اللبنانيين ولكن...
في بلدٍ اعتاد السجال والانقسام، خطف خبر وفاة البابا فرنسيس لحظة صمت، بدت نادرة، وأجمعت فيها الأطراف اللبنانية على الحزن والاحترام.
مسيحيون ومسلمون، مقامات رسمية، زعماء أحزاب وسياسيون وناشطون، بكركي ودار الفتوى، كلّهم نعَوا الرجل نفسه: بابا لم يكن فقط رأس الكنيسة الكاثوليكية، بل صوتاً إنسانياً عالمياً يدعو للسلام، وحثّ على الحوار في زمن النزاعات، كما كانت مواقفه الداعمة للبنان عديدة.
وسائل التواصل الاجتماعي تحوّلت بدورها إلى دفتر عزاء امتلأ بصور البابا، وصلوات، وتعليقات مؤثّرة من لبنانيين من كل الطوائف، في مشهد استثنائي يوحي أنّ الإنسان أحياناً يعلو على الهوية السياسية والطائفية.
لكن، لا بد من "لكن" دوماً... ففي لحظة موت البابا وسقوط البطريرك أرضاً، ارتفعت أصوات نشاز، تحديداً من بعض الناشطين في "حزب الله"، ممن وجدوا في الحَدَثين فرصة لتصفية الحسابات مع البطريرك الراعي الذي لطالما دعا إلى نزع سلاح "حزب الله".
لكنّ الردود عليهم كانت أشد قسوة، وأشد وضوحاً، وجاءت من ناشطين مسيحيين من مختلف الأحزاب والتيارات، أشاروا إلى أنّ المقامات لا تُدنّس، ومن لا يرى في الآخر إنساناً، لا يستحق أن يُؤخذ على محمل الجد.

مورغان vs وليد
كلّ ما احتاجته نائبة المبعوث الأميركي مورغان أورتاغوس لتفجير المشهد اللبناني كان أربع كلمات فقط : "Crack is whack, Walid"، أي "المخدرات مضرّة، وليد"، كتبتها على منصة "إكس". بهذه العبارة القصيرة، ردّت على تصريح الرئيس السابق للحزب "التقدمي الاشتراكي"، وليد جنبلاط، الذي وصف شروطها على لبنان بـ "المستحيلة".
وما هي إلا دقائق حتى اشتعلت المنصّات وتحوّلت إلى ساحة معركة: فريقٌ رأى في كلام أورتاغوس جرأة مطلوبة بوجه طبقة سياسية أرهقت البلاد والعباد، وفريقٌ آخر اعتبر تغريدتها قلّة احترام، واستعلاء غير مقبول تجاه شخصية لبنانية لها تاريخها السياسي ومكانتها الشعبية.
لكن ما قلب الطاولة فعلياً لم يكن تغريدة أورتاغوس، بل ردّ جنبلاط الساخر واللاذع عليها، حين وصفها عبر "إكس" بعبارة: "The Ugly American"، مُرفقاً المنشور بهاشتاغ باسمها وصورة داكنة لهياكل بشرية، في تلميح رمزي لرواية كلاسيكية تنتقد الغطرسة الأميركية وفشلها في فهم الواقع المحلي. وحظي ردّه بدعم كبير من جمهور "حزب الله" تحديداً فعلّق أحد الناشطين منهم على منشور جنبلاط كاتباً: "شجاع وجريء في اللحظات الدقيقة والصعبة".
وشكّلت كلمة "قبيحة" المفتاح الذي أشعل سجالاً من نوع آخر، حيث تحوّل الفضاء الرقمي من نقاش سيادي إلى دفاع مستميت عن "جمال" مورغان أورتاغوس، فكتبت إحدى الناشطات: "مواقف أورتاغوس جميلة جدّاً يا بيك وبالنسبة لجمالها الخارجي الصورة بتحكي لوحدها"، ناشرة صورة لأورتاغوس، و "إلا عن جمالها يا بيك ما فيك تحكي".

العلم اللبناني "مخنوقاً"؟
نُكّس العلم اللبناني على سارية قصر بعبدا في الجمعة العظيمة، لدى الطوائف المسيحية. وفي بيان رسمي صادر عن رئاسة الجمهورية ورد: "العلم اللبناني مخنوقاً". الحدثان أشعلا موجة من السجالات على وسائل التواصل، تدرّجت من النقد اللغوي والتشكيك في الصياغة، إلى نقاش أوسع حول طبيعة الدولة، رموزها، وحدود العلاقة بين الدين والسياسة.
في الشق اللّغوي، بدا تعبير "مخنوقاً" نافراً، قياساً بالتعبير التقليدي "منكّساً"، فرأى البعض أنه لا يضيف شيئاً بل يُربك. وسأل ناشطون، وبعضهم من الداعمين للعهد "شو يعني مخنوق؟ اختراع جديد؟".
أما في البُعد الوطني، فركّز عدد من الناشطين السياسيين على فعل تنكيس علم الدولة لمناسبة دينية تخص طائفة دون سواها، حيث برزت عدّة اعتراضات، لا سيّما من خارج البيئة المسيحية، انطلقت من مبدأ أنّ "العلم اللبناني رمز وطني لا يُنكّس لأجل أي حدث ديني". وذهب البعض إلى التحذير من أنّ هذا المسار، إن اعتُمد، سيفتح الباب أمام طوائف أخرى للمطالبة بتنكيس العلم في مناسباتها الحزينة، مثل عاشوراء، ما من شأنه أن يحوّل العلم إلى أداة تعبير طائفية لا وطنية.
وتقاطع هذا الجدل مع تعليقات تناولت التقاليد "غير المكتوبة" داخل مؤسسات الدولة فكتبت إحداهن: "في الرئاستين الثانية والثالثة، الكحول تُمنع خلال المناسبات الرسمية والدبلوماسية، رغم أن لبنان يُعرّف كدولة مدنية، وحكومته ومجلسه النيابي يضمّان ممثّلين عن مختلف الطوائف". بينما اعتبر آخر أنّ القصر الجمهوري هو "مقر إقامة الرئيس خلال عهده بخلاف المجلس النيابي الذي لا يقيم فيه رئيس مجلس النواب".
من جهة أخرى، توجّه أحد الناشطين السنّة إلى مناصري "حزب الله" كاتباً: "دخلكن مش أنتو يللي حرقتو العلم اللبناني ونزّلتوه كذا مرّة؟".

بيروت من دون رموز حزبية
انطلقت حملة إزالة الأعلام والرموز الحزبية من شوارع بيروت. البداية من منطقة الكولا، حيث كانت الرايات تُرفع لعقود وحيث كان يُعتقد أن يد الدولة لا تصل. الحملة نُفّذت والدولة تقدّمت خطوة إلى الأمام من دون أن تعترضها جماهير غاضبة، أو تهديدات علنية، أو ردود فعل "حاضنة".
على الأرض، الكلمة كانت إذاً للقرار، لا للولاء، لكن على وسائل التواصل، ظهرت الأصوات المعتادة. تعليقات غاضبة من جمهور "الثنائي" وكلمات مشحونة بالغضب الذي لامس الوقاحة أحياناً فكتب أحدهم: "صُبّاط السيّد أشرف من النجوم التي على كتفك". فكان الرد أقسى من قبل أحد الناشطين: "من يظنّ أن التطاول على الجيش بطولة، سيرى سريعاً أنّ نجوم السماء أقرب إليه من العودة إلى منطق الدويلة".
في المقابل، مشهدٌ مغاير تماماً أتى من أماكن أخرى. مناصرون لـ "القوات اللبنانية" ينزعون أعلام حزبهم من أمام مراكز حزبية تابعة لهم، بمبادرة فردية، احتراماً لقرار وزارة الداخلية.
