بشارة جرجس

الانتخابات البلدية: اقتراع ديمقراطي نحو الفدرالية

3 دقائق للقراءة

إذا كانت الانتخابات البلدية والاختيارية الأخيرة في لبنان، لا سيما في محافظتي الشمال وجبل لبنان، قد جسّدت واقعاً سياسياً وإنمائياً واضح المعالم، فهو التأكيد على انتقال مركز الثقل الوطني من النظام المركزي نحو السلطات المحلية. لقد كشفت هذه الانتخابات عن حقيقة راسخة، وهي أن الحل الواقعي الوحيد لإنقاذ لبنان من أزماته المتتالية يتمثل في اعتماد نظام اتحادي (فدرالي)، كخطوة حتمية وضرورية باتت تحظى بدعم متزايد بين اللبنانيين.



فعلى امتداد عقود من الأزمات السياسية والاقتصادية المتلاحقة، أثبتت الدولة المركزية عجزاً بنيوياً واضحاً في الاستجابة للاحتياجات المحلية وتقديم الخدمات التنموية الأساسية. جاءت الانتخابات الأخيرة بعد تسع سنوات من عرقلات المنظومة السابقة، لتظهر بجلاء تفاوتاً صارخاً في مستويات الاهتمام الشعبي والفعالية السياسية بين منطقة وأخرى، مؤكدة أن لبنان بلد التنوع الذي لا يمكن إدارته بنجاح إلا من خلال نموذج فدرالي يمنح المناطق القدرة على تقرير مصيرها الإنمائي والثقافي والسياسي.



هذه الانتخابات أعادت تسليط الضوء على أهمية الدور المحوري الذي باتت تلعبه اتحادات البلديات، خاصة في معاقل القوى المسيحية الكبرى مثل جونية، جبيل، بشري، البترون، وصولاً إلى زغرتا التي شهدت تحولات لافتة في نتائج التصويت. لقد أصبحت هذه الاتحادات بمثابة حكومات محلية مصغرة تتمتع بقدرات فعلية على وضع الخطط التنموية واستقطاب التمويل الدولي، ما يمنحها ثقلاً سياسياً متزايداً يجعلها منطلقاً حقيقياً للانتقال نحو اللامركزية والفدرالية في لبنان.



كشفت هذه الانتخابات أيضاً مدى عمق التأثير الذي تمارسه القوى المحلية والعائلية، تحديداً في المناطق التي تراجعت فيها هيمنة القوى السياسية التقليدية، كما حدث في طرابلس عقب غياب «تيار المستقبل». هذه المتغيرات تؤكد الحاجة الماسة إلى منح البلديات والاتحادات المحلية مزيداً من الصلاحيات، بهدف تعزيز استقلاليتها في اتخاذ القرارات التي تخدم تطلعات أهلها وتستجيب لخصوصياتهم الثقافية والاجتماعية والسياسية.



ومن جانب آخر، برهنت الأحداث الأمنية الأخيرة، بما فيها الحرب بين حزب الله وإسرائيل التي دمّرت أجزاء واسعة من الضاحية الجنوبية وأبرزت ضعف الدولة المركزية في إدارة الأزمات، على ضرورة الانتقال إلى نموذج حكم اتحادي يمنع البلد بأسره من دفع ثمن خيارات بعض الأطراف. لقد تمكنت المناطق التي استثمرت في تعزيز قدراتها المحلية، مثل العديد من المناطق المسيحية في جبل لبنان والشمال، من إدارة الأزمات بفعالية أكبر، مما عزز قناعة اللبنانيين بأن مستقبل بلادهم لا يمكن ضمانه إلا من خلال نظام حكم فدرالي حقيقي.



إن نتائج الانتخابات البلدية الأخيرة، لا ينبغي أن تُقرأ كمجرد استحقاق انتخابي عابر، بل يجب التعامل معها بوصفها استفتاءً شعبياً واضحاً ورسالة قوية بضرورة الانتقال التدريجي والواعي نحو الفدرالية. إن تمكين السلطات المحلية، وتوسيع صلاحياتها، وتعزيز استقلاليتها المالية والإدارية يشكّل مقدمة ضرورية لبناء نظام سياسي جديد يعكس بشكل عادل وفعّال الواقع اللبناني المتنوع.



من هذا المنطلق، لم تعد الفدرالية مجرد خيار سياسي أو ترف نظري، بل أصبحت شرطاً أساسياً لتحقيق الاستقرار والتنمية المستدامة في لبنان. لقد آن الأوان لأن يتبنى اللبنانيون نظاماً يمنح كل منطقة الحق في تقرير مصيرها وإنمائها وفق رؤيتها واحتياجاتها، وبالتالي المشاركة الحقيقية والفعّالة في بناء مستقبل لبنان الجديد الذي نحلم به جميعاً.