ريتا عازار

إن أردتم طعاماً لا مثيل له

أنا أوقظ ما نسيتموه في الطناجر!

6 دقائق للقراءة

كنتُ مرّةً، في أحد أحلام يقظتي، الشيف "نمبر وان". نعم، "نمبر وان"، حتى إن كان لوني مغايراً للون الفنان محمد رمضان. وسبحان من جعل هذا الرقم جلّاباً للغيرة، مزيَّناً بصنوبر كثيف على الوجه. دخلتُ المطبخ كما تدخل القصيدة بيتها. بصمتٍ ثقيل، وخطى حافية، أجرّ ورائي عباءة كانت بيضاء، مطرَّزة بالزعتر الأخضر واللحم بعجين. لم أبتسم، لم أعلن عن نفسي، فقط وضعتُ سَبَتي على الطاولة، مليئاً بالنعناع، والملوخية الطازجة، وورقة كتب عليها: "أنا الشيف. لبنانية. لا أشرح نفسي. تفضّلوا واسكتوا".

توقّف المطبخ، سقط قدر المرق من يد الطاهي الفرنسي، وبدأ شيف متدرّب يُحدّق في الأرض، لعلّه يجد شيئاً يلتقطه. أما أنا؟ فقد بدأتُ، لا بطهو الطعام، بل بإعادة تعريف المطبخ.


يوميّاتي بين الحرب... والسلامي

في اليوم الأول، ألغيتُ الملح. "كلّه مستورد، كلّه خيانة"، قلتُها. استبدلته بما أسمّيه "دموع الأرض": مزيج من ماء الورد، وماء البحر من جبيل، ونقطة من عَرَق جدّتي.


في اليوم الثاني، أعَدتُ صياغة قائمة الطعام، لا بالكلمات، بل بالموسيقى، لكلّ طبق معزوفة على العود، المجدّرة تعزف مقام نهاوند، أما الكبّة النيّئة فتُقدَّم مع ارتجالٍ على مقام الحجاز.


الزبائن يطلبون "طبق رقم 4"، فأجيب: "آه، تقصدون أنين الحنين بلحمٍ نيء؟ لحظة… ما زلت أتأمّل البرغل".


التقنيّة؟ ترفٌ استعماري

لا أُزيّن، لا أقيس، لا أطبخ حسب الوقت. إذا لم يخبرك الأرُزّ أنه نضج، فأنت لا تستحقّه، مرّةً، حاول أحد الطهاة تعديل حرارة الفرن، صفعتُه بنعومة، وقلتُ له: "الخبز لا يُستعجَل… كما لا تُستعجل الثورة".


في أحد الأيام، طلب مني ناقدٌ فرنسي درجة نضج اللحم، فنظرتُ إليه وقلت: "سيّدي، نحن في بلاد الشواء. لا نعترف بـ "سينيان بلو"، إما ينضج أو يُخلَّد في الذاكرة".


الطهو كطقس لا كصنعة

لم أتعامل يوماً مع المطبخ كعملٍ أو وصفة، إنه معبد، فيه أُصلّي، أغفر، وأُقيم عزاءً لأشياء لم يقلها أحد. حين أقطع البصل، لا أبكي بسبب الطّعم، بل لأنّ كلّ بصلة تحمل طيف جدّة رحلت قبل أن تذوق ما أطبخ.


حين أخلط العدس بالأرُزّ، أفكّر في الطبقات. لا الطبقات الاجتماعية، بل تلك المتراكمة في الذاكرة: الملاجئ، الساحات، يد أمي المرتجفة وهي تنفخ على ملعقة ساخنة لتطعمني دون أن تحرقني.


أنا لا أبتكر أطباقاً… أنا أُعيد خلق المشهد. أحياناً أترك طبق المجدّرة يحترق عمداً، فقط لأشمّ تلك الرائحة التي كانت تسابق دخان الحرب. النكهة؟ ليست هدفاً. بل وسيلة لاستحضار وطن نأكله دون أن نقتله. أن تطبخ في هذا البلد يعني أن تنقذ ما يمكن إنقاذه من الذوق، من الحنين، من الحكاية.

وكلّ طبق لا يقول شيئاً لا يستحقّ أن يُؤكل، سبحان من جعلني شيفاً فيلسوفة!


كل ما يُشبهنا وينسينا

أنا أجمع الزعتر من أعالي المتن الشمالي، الزيتون من بقرزلا، واللحم من بقرة قالت لي: "تفضّلي" قبل الذبح.


أطبخ ببطء، وأبكي أحياناً وأنا أُقلّب ورق العنب. "كل ورقة تُمثّل جدّتي. أريدها أن تستوي بهدوء". أبحث عن المكوّنات التي نسيها الشعب بعد الحرب: قشر الباذنجان المحروق، نوى المشمش من الطفولة، زيت قديم مخزّن في قنينة كوكاكولا، ما رُمي في النسيان، أعيده إلى الطاولة.


دراويش في الخدمة

لا يبدأ فريق عملي يومهم بالتحضير، بل بقراءة الياس أبو شبكة بصوتٍ خافت، لا أحد يرفع صوته، إلّا حين تحترق صلصة العدس، وهي تحترق كثيراً، لأني أرفض "الموقتات الغربية". أحد المتدرّبين، خرّيج فنون طهو من باريس، حاول تعليمهم تقنية "السو-ڤيد".


أجبرته أن يكتب اعتذاراً على رغيف من مناقيش الزعتر، وخبزته فوق رماد الماضي، وقلت له: "نحن لا نغمر اللحم في أكياس، نحن نغمره في الحنين".


استدعاء الذاكرة الجماعية

في ليلة خميس، قدّمت طبقاً اسمه: "لا مازّة بعد اليوم". كان صحناً فارغاً، فقط رائحة يانسون تتصاعد منه، وبكاء خفيف من سمّاعات خفيّة. بعض الزبائن بكى. البعض كتب شعراً، واحد فقط تجرّأ وسأل: "أين الطعام؟". فأجبته أنا الشيف "المشعوطة": "لقد أكلت الفكرة، يا سيدي".


معركة بالملفوف

كتب أحدهم مرّةً أنني "مبالغة"، وأنّ طبقي "حمّص مجفّف فوق فوضى أدبية". لم أردّ. بل أرسلت له سلّة فيها رأس ملفوف، وورقة مكتوب عليها: "افهمني… ثم انتقدني".


بعد أسبوع، شوهد في صيدا يوزّع الحمّص مجّاناً على الأطفال، وهو يقول: "أنا لا أنتقد بعد الآن… أنا أتذوّق الغفران".


التلميذات والمعجزات

وكوني أخاف الحسد، أنشأتُ مدرسة سرّية في أنطلياس، أُدرّس فيها ما أسميه "الطهو المغامر". لا كتب، لا وصفات، فقط تأمّلات جماعية في معنى "كبّة" في زمن الانهيار، خرجت من تحت يدي طاهية من طرابلس تقدّم الفلافل بدون زيت، وأخرى من صُور، تقدّم الحساء على أغنيات من أرشيف الإذاعة اللبنانية القديمة. وثالثة من الأشرفية، تطبخ فقط في الظلام: "كي لا تسبق العيون الطعم".


حين أطبخ للدولة

مرّةً طُلِب مني إعداد عشاء دبلوماسي لممثّلي ثماني دول. وافقت بشرطٍ واحد: "أنا لا أطبخ لأشبع الأقوياء، بل لأذكّرهم بصغرهم". يومها، لم أقدّم أيّ طبق تقليدي.


لا مازّة، لا كبّة، لا لبنة. فقط قدّمت مجسّماً ضخماً من الزعتر والعجين على شكل خريطة لبنان، محاطاً بالتّين، ومقطّعاً عند حدود الأمل المتآكل.


كان على كل دبلوماسي أن يمزّق قطعة بيده. بعضهم رفض. فقلت بهدوء: "إذا لم تتمكنوا من اقتسام الخبز… فلن تنالوا السلام". والتحلية؟ "موس" غير مرئية، نعم، نعم. "موس" مختفية في وعاء فارغ تفوح منه رائحة زهر خفيفة، وكان تفسيري الذي أتمنّى ألا تقرأه جماعة "توب شيف": "إنها ليست حلوى بل ما يتبقّى حين نأكل كل شيء إلّا المعنى".


"إما أنا... أو البقدونس"

في مهرجان طهو فخم في دبي، دُعيت "لأضفي لمسة أنثوية"، صعدتُ إلى المنصّة مرتديةً مريول جينز مكتوباً عليه: "أنا لست لمسة... أنا لعنة". لم أتكلّم. بدأتُ فقط بتقطيع البقدونس. طويلاً، طويلاً جداً. بعد عشرين دقيقة من التقطيع الصامت، رفعتُ عينيّ وقلت: هكذا يُعامِلون النساء منذ قرون… نقطع، نفرم، نقدّم ونبتسم". ثم قلبت اللوح، نثرت الأعشاب فوق الحضور، أشعلتُ موقداً صغيراً وقلت: "حان وقت طهو شيء آخر".


مطعم في باريس؟

سألني ذات يوم صحافي فرنسي، وهو يلوّح بسكين زبدة: "لماذا لا تفتحين مطعماً في باريس؟.

سيأكلك النقّاد شغفاً!". كم ضحكت، ثم قطعت بصلة، وتركتُه يبكي وحده، وأنا أقول: "لأنني أريد أن أُقدَّم على مائدة بيروت، قبل أن أُعلَّق كزينة في واجهات أوروبا".


ما بعد الطبق

أحياناً، أفتح "مرطبان مكدوس" منسيّاً في البرّاد، وآكله ببطء، لا بسبب طعمه، بل بسبب التذكّر فجأة. أنا لا أطبخ لأُشبع… بل لأُبلّغ، أنا ثغرة في الزمن، ثغرة تسمح للطعام أن يتكلم. وآخر مرة شوهدتُ فيها، كنت على سطح مبنى مهدّم، أنشر ورق دوالٍ على حبل غسيل، أُكلّم النسيم بلغة تشبه الرُّقية، وأقول: "كل ما لم يُؤكل… سيُروى. لكن بحذر، لأن بعض القصص قابلة للاشتعال". ويُقال إنّ من يأكل من يدي، يُصاب بشيء يشبه الحكمة، لكن على شكل قرحة.



تفضّلي



"شيف" أوريجينال