الرئاسة السورية تتوعّد المتجاوزين

مدينة السويداء تسقط في "التجربة السوداء"

8 دقائق للقراءة

دخلت قوات وزارتي الدفاع والداخلية السوريتين مدينة السويداء أمس، وسط حال من الخوف والهلع والنزوح الكثيف لسكّانها نحو المناطق الريفية مع استعار الارتكابات الخطرة بحق المدنيين الدروز. كان بالإمكان سماع أصوات الرصاص المتقطع وحتى الكثيف بعد اقتحام قوات دمشق المدينة ذات الغالبية الدرزية في سياق النهار، علمًا أن الاشتباكات كانت لا تزال مستمرّة حتى كتابة هذه السطور مع استمرار تواجد مقاتلين دروز في أحياء ومناطق عدة من المدينة. وشهدت السويداء انتهاكات شملت تنفيذ إعدامات ميدانية وعمليات نهب للمنازل والمحلات، وإشعال حرائق متعمّدة بالممتلكات الخاصة. كما دمّر جنود وعناصر الأمن تماثيل لرموز وشخصيات درزية، فضلًا عن تصوير مقاتلي الوحدات التابعة للنظام الجديد أنفسهم وهم يحلقون شوارب رجال دروز، بينهم رجال دين مسنون، فيما وجّه العناصر إهانات وأطلقوا تهديدات ذات بُعد طائفي صريح. ومع توالي الأحداث المأسوية تكون مدينة السويداء قد سقطت في "التجربة السوداء".


وبعدما رحّبت القيادة الروحية لدروز سوريا في بيان مكتوب صباح أمس بدخول قوات وزارتي الداخلية والدفاع لبسط السيطرة على المراكز الأمنية والعسكرية وتأمين المحافظة لوقف الاشتباكات الدموية الضارية التي أسفرت عن مقتل 166 شخصًا خلال 48 ساعة، داعية الجماعات الدرزية المسلّحة إلى تسليم أسلحتها والتعاون مع القوات القادمة، وإثر دخول قوات دمشق إلى المدينة وحصول تجاوزات، أطلّ الزعيم الروحي لدروز سوريا حكمت الهجري في تسجيل مصوّر أكد فيه أن "البيان المذلّ" الصادر صباحًا "فُرض" عليهم من قِبل دمشق ودول خارجية، مشيرًا إلى أن القوات السورية خرقت الاتفاق بمواصلة إطلاق النار على السكان المدنيين.



الهجري: حرب إبادة شاملة

واعتبر الهجري أنه "نحن نتعرّض لحرب إبادة شاملة"، مناشدًا جميع الدروز "التصدّي لهذه الحملة البربرية بكل الوسائل المتاحة"، في وقت كشف فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس أنهما أمرا الجيش الإسرائيلي بضرب "قوات النظام" والأسلحة التي تنقل إلى السويداء لاستخدامها ضدّ الدروز، مؤكدين التزام إسرائيل "بمنع تعرّض الدروز في سوريا للأذى انطلاقًا من تحالف الأخوة العميق مع مواطنينا الدروز في إسرائيل، وضمان نزع السلاح من المنطقة المجاورة لحدودنا مع سوريا"، الأمر الذي تبعه هجمات إسرائيلية عدة على أهداف عسكرية تابعة لدمشق في السويداء. وتحدّث الجيش الإسرائيلي عن عبور "عشرات المواطنين الإسرائيلين السياج الحدودي إلى داخل الأراضي السورية في منطقة مجدل شمس، حيث تعمل قوات جيش الدفاع لاعادتهم بأمان إلى الأراضي الإسرائيلية".


وعاد نتنياهو ليؤكد مساء أن الجيش الإسرائيلي "يعمل في سوريا منذ الصباح ولديه التزام بالحفاظ على جنوب غرب سوريا منطقة منزوعة السلاح". وأمل ألّا تضطر تل أبيب إلى تنفيذ عمليات أخرى في سوريا، قائلًا إن الأمر يعتمد إلى حدّ كبير على أفعال الحكومة السورية. وحسم أنه "لن نسمح بوضع في سوريا ينشأ فيه لبنان ثان وملتزمون بحماية السكان الدروز"، فيما توعّد وزير الخارجية جدعون ساعر بأنه إذا أقدم النظام السوري على إيذاء الدروز فسوف تدخل إسرائيل، بحسب "القناة 12" الإسرائيلية.


في هذا الإطار، أصدر الزعيم الروحي لدروز إسرائيل موفق طريف بيانًا دعا فيه إلى وقف فوري لإطلاق النار في السويداء وضمان تمثيل الدروز وإعطائهم دورًا فعالًا ومركزيًا في شتّى مرافق الدولة السورية. ورأى أنه على المجتمع الدولي، بما في ذلك الدول العربية وفي مقدّمها دول الخليج وتركيا، شدّ الهمم لإعادة بناء الدولة السورية والمساهمة بدعم مطالب أبناء الطائفة الدرزية وكافة أبناء الشعب السوري، تلبية لتطلّعاتهم وآمالهم في وطن واحد موحّد آمن ورغيد، مؤكدًا وقوف دروز إسرائيل إلى جانب إخوانهم في سوريا، وتقديمهم لكلّ ما استطاعوا إليه سبيلًا لردّ الأذى ودحر أيّ اعتداء، في حين تم تداول مقاطع فيديو لاحتجاجات نفذها دروز في إسرائيل تضامنًا مع دروز سوريا.


غارات إسرائيلية

وبالتوازي مع تنفيذ الطيران الحربي الإسرائيلي سلسلة غارات جوية استهدفت آليات وأرتالًا عسكرية تابعة لوزارتي الدفاع والداخلية في مدينة السويداء ومحيطها، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف قوات دمشق، أعلن وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة عن "وقف تام للنار في السويداء بعد الاتفاق مع وجهاء وأعيان المدينة، على أن يجري الردّ فقط على مصادر النيران والتعامل مع أي استهداف من قبل المجموعات الخارجة عن القانون"، مشيرًا إلى أنه "سنبدأ بتسليم أحياء مدينة السويداء لقوى الأمن الداخلي حالما يجري الانتهاء من عمليات التمشيط، لمتابعة ضبط الفوضى وعودة الأهالي إلى منازلهم، وإعادة الاستقرار للمدينة". وذكر أنه "وجّهنا ببدء انتشار قوات الشرطة العسكرية داخل مدينة السويداء لضبط السلوك العسكري ومحاسبة المتجاوزين". وأفاد "المرصد السوري" بانسحاب الآليات الثقيلة التابعة لدمشق من داخل المدينة، وتولّي قوى الأمن العام مسؤولية الانتشار في الشوارع الرئيسية.


لاحقًا، زعمت الداخلية السورية بأن التفاهمات التي توصّلت إليها دمشق مع القوى المحلّية في السويداء تعرّضت للخرق من قبل مجموعات مسلّحة خارجة عن القانون، مشيرة إلى أن الجيش الإسرائيلي دعم تلك المجموعات من خلال غاراته. وأكدت أن الاشتباكات مستمرّة في بعض أحياء مدينة السويداء، في ظلّ جهود حثيثة تبذلها دمشق بالتنسيق مع الوجهاء وأعيان السويداء لاستعادة السيطرة الكاملة وفرض الأمن والاستقرار بشكل دائم. بدورها، صرّحت الخارجية السورية بأن "العدوان الإسرائيلي الذي استهدف الجنوب السوري يشكل انتهاكًا صارخاً لسيادة الدولة السورية"، معتبرة أن "العدوان جاء في توقيت مدروس وسياق مشبوه، يستهدف زعزعة الاستقرار الوطني وضرب الوحدة السورية في لحظة مصيرية تسعى فيها الدولة إلى ترسيخ الأمن والنهوض من آثار الحرب". وجزمت بأن "سوريا ستبقى عصيّة على التقسيم، حرّة بقرارها، وكريمة بدماء شهدائها".



انتهاكات وإهانات

وفيما أصدرت الرئاسة السورية بيانًا تؤكد فيه التزام الجهات المدنية والعسكرية بمنع أي شكل من أشكال التجاوزات في السويداء، مشيرة إلى أنها وجّهت الجهات الرقابية والتنفيذية المختصة باتخاذ الإجراءات القانونية الفورية بحق كلّ من يُثبت تجاوزه، مهما كانت رتبته أو موقعه، أفاد "المرصد السوري" بأن وتيرة الانتهاكات التي ترتكبها قوات تابعة لوزارة الدفاع في محافظة السويداء تتصاعد، ولا سيّما ما يتعلّق منها بالإهانات الموجّهة إلى الدروز، والاعتداء على كراماتهم وممتلكاتهم، في مشهد يعيد إلى الأذهان الانتهاكات التي جرت في الساحل خلال آذار الماضي، كاشفًا أنه وثق 21 حالة إعدام ميداني، بينهم ثلاث نساء، برصاص عناصر من وزارتي الدفاع والداخلية.


كما وثق "المرصد" قيام عناصر تابعة لوزارة الدفاع بعمليات تخريب ممنهجة طالت منازل وممتلكات المدنيين في عدد من قرى وبلدات ريف السويداء، حيث أقدم العناصر على سرقة محتويات المنازل وتكسير الأبواب والنوافذ، قبل أن يعمدوا إلى إضرام النيران في بعضها، ما أسفر عن دمار واسع وخسائر مادية جسيمة. وأظهرت تسجيلات مصوّرة ومقاطع تمّ تداولها بشكل كثيف على وسائل التواصل الاجتماعي، عناصر أمنية وعسكرية تحلق شوارب مشايخ ومواطنين دروز في السويداء، ما أثار ردود فعل غاضبة في العالمَين الواقعي والافتراضي، وسط احتقان طائفي مرعب. كما أظهرت تسجيلات مصوّرة مشاهد نزوح جماعي لعدد كبير من العائلات من مدينة السويداء نحو القرى والبلدات الريفية المجاورة.


واشنطن: لحلّ سلمي وشامل

دبلوماسيًا، أكد المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برّاك انخراط واشنطن بنشاط مع كافة الأطراف في سوريا "للسعي نحو التهدئة ومواصلة مناقشات الاندماج البناءة"، موضحًا أن واشنطن تحاول "التوصل إلى حل سلمي وشامل يخدم الدروز، والقبائل البدوية، والحكومة السورية، والقوات الإسرائيلية". ورأى أن أبرز التحدّيات التي تواجه جهود التهدئة والاندماج تتمثل في "التضليل، والارتباك، وضعف التواصل"، فيما دانت السعودية "الاعتداءات الإسرائيلية السافرة على الأراضي السورية"، معربة عن ارتياحها حيال ما اتخذته الحكومة السورية من إجراءات لتحقيق الأمن والاستقرار والمحافظة على السلم الأهلي، وتحقيق سيادة الدولة ومؤسّساتها على كامل الأراضي السورية، بما يحفظ وحدة سوريا وأمنها ويحقق تطلّعات الشعب السوري الشقيق. ورحّبت قطر بإعلان الحكومة السورية وقف النار في مدينة السويداء، مؤكدة دعمها لكلّ ما تتّخذه من إجراءات لحفظ الأمن والاستقرار. كذلك، دانت تركيا تدخل إسرائيل العسكري في سوريا، مشدّدة على أنه "ينبغي دعم الخطوات التي اتخذتها الحكومة السورية لبسط الأمن وتعزيز وجودها في كافة أنحاء البلاد".


فرنسا والأسد

من جهة أخرى، طلبت النيابة العامة الفرنسية لمكافحة الإرهاب تحديد مكان نحو 20 "عميلًا للنظام" السوري السابق، بينهم الرئيس الهارب بشار الأسد، في سياق تحقيقات بتهم ارتكاب جرائم ضدّ الإنسانية تتعلّق بمقتل صحافيين في غرب سوريا العام 2012، وفق ما ذكر مصدر قضائي لوكالة "فرانس برس". وتشتبه النيابة العامة لمكافحة الإرهاب في "وجود خطة مشتركة" لقصف مركز الصحافة في حي بابا عمرو في مدينة حمص، وهو هجوم سبق اجتماعًا مع "جميع قادة القوات العسكرية والأمنية" في المدينة. ومن بين المتهمين: قائد الفرقة الرابعة المدرّعة في حينها ماهر الأسد، ومدير المخابرات العامة آنذاك علي مملوك، ومسؤولين أمنيين محلّيين هما علي أيوب ورفيق شحادة.