تخوض إسرائيل انتخاباتها المفصلية يوم الثلثاء المقبل، ما لم يطرأ ما يؤدّي إلى تأجيلها. وتتركّز المنافسة بين خصمين بارزين، نتنياهو وآيزنكوت، إلى جانب شخصيات سياسية أخرى متفاوتة القوّة. ولا يزال الغموض يكتنف هوية مَن سيتمكّن من تشكيل ائتلاف حكومي قادر على الحكم، فيما تبقى الاحتمالات كلّها مفتوحة في "الدولة الإسبرطية" المستعدّة دائمًا للحرب. تخيّلوا معي حوارًا بين "بيبي" والجنرال الأسبق على فنجان قهوة. المكان: شرفة مقهى يرتاده الشباب في إحدى ضواحي تل أبيب الراقية. يلتقي الرجلان، ويتصافحان سريعًا، ثمّ يجلسان متقابلين إلى طاولة خشبية مزخرفة، ويتبادلان "اللكمات الانتخابية" بين رشفة وأخرى.
يُخرج نتنياهو علبة السيجار من جيبه، ويقول لآيزنكوت ممازحًا: "لقد منعني أطبّائي من التدخين، وأنا ملتزم بتعليماتهم، لكنّني سأستثني لقاءنا اليوم، فأنا أشعر منذ الآن بالحاجة إلى ما يُبقي مزاجي رائقًا أثناء الحديث معك". يردّ آيزنكوت بنبرة لا تخلو من التهكّم: "لا عجب! لكنّ ما يُثير فضولي حقًّا هو ما إذا كان هذا السيجار "هدية مسمومة" من رجل أعمال يسعى إلى شراء النفوذ من مكتب رئيس الوزراء". فيجيبه نتنياهو بغضبٍ يواريه خلف ضحكة "ثعلب" محنّك: "يبدو أنّك تشاطر خامنئي وأردوغان وممداني النظرة نفسها إليّ، وهذا ليس مدعاةً للفخر، صدّقني يا جنرال".
يُقاطعه آيزنكوت بعدما احتسى قهوته: "لا يُمكنك التهرّب من قضايا الفساد بالتلطّي خلف مواقف أعدائنا وخصومنا منك؛ لقد استُهلكت هذه الحجّة إلى أبعد حدّ". يمرّ بهما نادل نحيف، ويسألهما بنبرة صارمة إن كانا يرغبان في شيء آخر. يستوقفه نتنياهو ويسأله إن كان سيُصوّت لأيّ منهما. يصمت الشاب، الذي سيقترع للمرّة الأولى، لحظات، ثمّ يتنهّد بعمق ويجيب بثقة: "صوتي سيذهب إلى بن غفير". يعتدل آيزنكوت في مقعده، وقد ارتسمت الدهشة على محيّاه، ويسأله: "لماذا بن غفير تحديدًا؟ ما الذي يدفع يافعًا مثلك إلى منح ثقته لمجنون مثل إيتمار؟". يجيب الطالب الجامعي بلا تردّد: "أزمنة الحروب والبحار الهائجة تحتاج إلى أمثاله!". يشكر الزعيمان النادل على خدمته وصراحته، فينسحب بهدوء.
يتوجّه آيزنكوت إلى خصمه قائلًا: "غريب كيف انتقلت إسرائيل رويدًا رويدًا من اليسار إلى اليمين". يضحك "بيبي" ضحكة قصيرة، ويقول: "من يقرأ التاريخ ويستخلص عِبَره يُدرك تمامًا التحوّلات التي شهدتها الدولة اليهودية، ولا تزال تشهدها". يضحك مهندس "عقيدة الضاحية" بدوره، لكنّ ضحكته مشوبة بالمرارة، ويقول: "لو كنتَ قد تعلّمت من التاريخ، يا بنيامين، كما تدّعي، لربّما لم يُقتل كلّ هؤلاء بوحشية في غلاف غزة، صبيحة 7 أكتوبر". يرفع نتنياهو فنجانه كأنّه يرفع كأسًا في نخب، ويقول متفاخرًا: "لو كان أحد غيري في السلطة في ذلك اليوم المشؤوم، لما تمكّن من تدارك الأمر كما فعلت، ولما تجرّأ على اتّخاذ قرار تحطيم عظام أعدائنا".
يهزّ آيزنكوت رأسه، وقد علت وجهه علامات الاشمئزاز، ويقول بلهجة عسكرية حازمة: "لقد لطّخت سمعة إسرائيل أمام العالم أجمع، وبات علينا ترميم صورتها الدولية. لقد أدّيت دورك، وحان وقت التغيير. تتباهى بتدخين سيجار كوبي فاخر، ويتنقّل ابنك يائير من منتجع إلى آخر، فيما يُقتل أبناؤنا على الجبهات. لقد سقط ابني غال واثنان من أبناء إخوتي في غزة؛ ذلك هو الوفاء الحقيقي لإسرائيل والتضحية من أجلها، لا التستّر على استمرار إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية!". فيردّ نتنياهو بانفعال: "لا تزايد على عائلتي في التضحيات. لقد قُتل أخي يوناتان خلال عملية عنتيبي... خدمتُ بلادي عسكريًّا وسياسيًّا، وما زلت مصمّمًا على إكمال المهمّة، من غزة وجنوب لبنان وصولًا إلى طهران".
يضع آيزنكوت يده على الطاولة، ويزيح فنجان القهوة قليلًا، ويقول: "كلانا يحبّ إسرائيل على طريقته، لكنّك غدوت عائقًا أمام انتقالنا إلى مرحلة جديدة نحن في أمسّ الحاجة إليها". ينهض نتنياهو ببطء، ويختم الحديث: "الكلمة الفصل لشعب إسرائيل. سنرى ما ستسفر عنه انتخابات الثلثاء المقبل، ونبني على نتائجها". يمدّ آيزنكوت يده لمصافحة غريمه اللدود، ويقول: "أيام قليلة تفصلنا عن لحظة الحقيقة. المهمّ أن تبقى إسرائيل منتصرة على أعدائها". يصافحه نتنياهو ويردّ: "يبدو أنّنا متّفقان، في نهاية المطاف، على الجوهر".