من منّا لم يكبر على وقع ضحكة أو عِبرة من إحدى مسرحيّاتها؟ ومن منّا لم يجد في طفولته نافذة سحريّة تُطلّ على عالم الخيال والبهجة من خلال أعمالها التي رافقت الأطفال؟ إنّها جيزيل هاشم زرد، الكاتبة المسرحيّة التي حفرت اسمها في ذاكرة أجيال، بأعمالها الفنّية، التربويّة، الإنسانيّة والاجتماعية التي شكّلت جسرًا بين المتعة والمعرفة.
وإذا كانت اسمها قد رُبط في الوجدان الجماعي ككاتبة مسرحيّات للأطفال، فإنّ ما يجهله كثيرون هو قدرتها الفريدة على مخاطبة الكبار بعمقٍ وشفافية. وها هي تُطلق مسرحيّتها الجديدة للكبار، بعنوان "كسر القالب"، التي انطلقت عروضها على مسرح "الأوديون" في جلّ الديب.
إذًا هي ليست المرّة الأولى التي تقدّم فيها جيزيل هاشم زرد مسرحيّة لغير الأطفال. ففي كلّ 13 نيسان تُعرض لها مسرحيّة حول ذكرى اندلاع الحرب الأهليّة في لبنان، تحضرها فاعليّات سياسية ودينية واجتماعيّة، وتسلّط فيها الضّوء على مخاطر الحرب بهدف تجنّبها مجدّدًا. وثمّة أعمال كتبتها لم تبصر النّور بعد، مثل "قصّة تقلا" التي تتناول سيرة حياة القدّيسة تقلا، ومسرحيّة "إليسار"التي تتناول سيرة الملكة إليسار الفينيقيّة. بذلك تؤكّد زرد مرّة جديدة أنّ الكتابة للمسرح على أنواعه مترسّخة في وجدانها وعقلها المبدع.
الإنسان أولاً
واليوم، في عرضٍ نابضٍ بالحياة يفيض بالموسيقى والكوميديا والدّراما، يُطلّ الممثّل طوني عيسى، بمشاركة الممثّلتَين ريتا سليمان وجوزيان الزّير وعدد آخر غيرهما، في العمل الجديد الذي تقدّمه جيزيل هاشم زرد وتدعو من خلاله الجمهور للمشاركة في قصّة إنسانيّة تقدّمها على الخشبة بإبهار بصريّ وفكريّ، حيث يندمج الأداء التّمثيلي بالغنائيّ.
المسرحيّة تخاطب فيها كاتبتها جيل الشّباب والأزواج، وكلّ من تساءل يوماً عن الحبّ، الخيانة، الارتباط، التّضحية، والعائلة. تدور أحداث المسرحيّة حول الكاتب الشّهير الدكتور طلال الّذي يفتح أمام الجمهور دفتر حياته، كاشفًا تحوّلاته وصراعاته وانجذابه للمرأة التي غيّرت مسار وجوده.
بأسلوبٍ ساخر وشفّاف لا يخلو من الكوميديا تارةً والتأثر الدّرامي تارةً أخرى، يخبر طلال عن مراحل تطوّره النّفسي والوجداني، وعن الأثر العميق للنّساء في حياته: من الأمّ، إلى المراهقة، إلى الحبّ الأول، والارتباط، فالخيانة، ثم النّدم... فالنضج. لكنّ ما يميّز هذه القصّة أنّها لا تُروى من منظور واحد فقط، فصوت المرأة حاضر بقوّة، نابض بالألم والصدق، يروي وجعها من داخل التجربة، من خلال شخصيّات متعدّدة تمثّل ثلاثة أجيال: الجدّة، الأمّ، والابنة، وكيف ترى كلّ واحدةٍ منهنّ الحبّ وتتفاعل مع مفاهيم المجتمع والتّقاليد، وما الذي يوحّدهنّ رغم اختلاف الأزمنة.
عنوان بمعانٍ عميقة
اختيار عنوان "كسر القالب" للمسرحيّة لم يكن عشوائيًّا، بل ذا دلالة رمزيّة عميقة. بالنّسبة للكاتبة جيزيل هاشم زرد، يُجسّد "القالب" فكرة التّماسك، الوحدة، التّكامل، والاتّفاق بين البشر، أفرادًا وأحبّةً. وحين يُكسر هذا القالب، ينكسر معه كلّ ما كان يرمز إلى الأمان العاطفي، والانسجام الإنساني. فتتساءل زرد في العمق: ماذا يحدث حين يُكسر القلب أي حين تنهار العلاقات وتتفكّك الرّوابط التي تحمي مشاعرنا؟ من هنا، يأتي العنوان كتعبيرٍ عن لحظة تحوّل إنسانيّة وشخصيّة، سنجد إجابة عليها في المسرحيّة.
مسرحيّة من خواطر القلب
تؤكّد الكاتبة أنّ النصّ يستقي روحه من نبض الحياة اليوميّة، من التّفاصيل الصّغيرة التي ترافقنا في علاقاتنا، ومن تلك اللّحظات التي تبدو عابرة لكنّها تُشكّلنا بصمت. وفي حديثها لـ "نداء الوطن" كشفت زرد أنها خلال كتابة المسرحيّة استعادت العديد من الخواطر التي خطّتها في مدوّنتها الخاصّة، والتي وُلدت من رحم تجارب شخصيّة وظروف تركت أثرها العميق في وجدانها. تلك الكلمات، الّتي كانت في البداية تأمّلاتٍ شخصيّة، وجدت لها مكانًا بين سطور المسرحيّة، فتحوّلت إلى حروفٍ وكلمات تُجسّد مشاعر مختلطة قد يعجز الكثيرون عن البوح بها.
ليست المسرحيّة إذًا سيرةً ذاتيّة حرفيّة، لكنّها من دون شكّ مرآة لروح كاتبتها وإنعكاسٌ لتجارب تأبى أن تبقى صامتة.
أجيال وأسئلة
لكن أي رمزيّة لحضور ثلاثة أجيال في مسرحيّة "كسر القالب"؟ توضح زرد أنّها اختارت أن تروي القصّة من خلال الابنة، الأم، والجدّة، في تراتبيّة زمنيّة ووجدانيّة تهدف إلى دفع الجمهور للتفكير بعمق حول: ما الذي يستحقّ أن نتمسّك به؟ وما الذي آن أوان التخلّي عنه؟
متعة وحكمة ولحظة وعي
بعد شهور من الكتابة والتحضير، وبعد أن صاغت حكاية تُخاطب القلب والعقل معًا، تقول زرد: "أهمّ ما أريده هو أن يستمتع الجمهور وألّا يشعر أحدهم بالملل أو النّدم على مشاهدة العرض"، فبالنّسبة للكاتبة المخضرمة المتعة ليست أمرًا ثانويًّا، بل هي بوابّة العبور نحو التأمّل والتأثّر. لكنّ المتعة وحدها لا تكفي، إذ تأمل زرد أن يخرج المشاهدون من المسرح حاملين معهم شيئًا أعمق: فكرة، حكمة، أو لحظة وعي، لأنها تسعى في كتاباتها العميقة والمدروسة إلى ترك أثر يدفع كل فرد إلى مراجعة خياراته الإنسانيّة. فهل نجرؤ على "كسر القالب"؟
"كسر القالب" ليست مجرّد مسرحيّة تُروى على الخشبة بل هي مرآةٌ للذّات، وجرسٌ يوقظ فينا السّؤال التّالي: ماذا نُبقي منّا، وماذا نترك خلفنا؟ هي دعوة رقيقة للتّأمّل، تهمس في أذن القلب وتداعب فكر العقل، كما لو أنّ الحياة نفسها تُنشدها لنا: الله وهبنا وزناتٍ كثيرة، فكيف نختار أن نصوغها؟ بالحريّة الحكيمة أم بالحرّية غير المدروسة؟
في صمت المسرح تنكشف أعماق الذّات ويتحوّل العرض إلى رحلةٍ داخل الإنسان، حيث تقيم الإجابات الأصدق والأقرب إلى الحقيقة.
* مسرحيّة "كسر القالب" - كتابة جيزيل هاشم زرد - إخراج ماريلين زرد مصابني. بطولة طوني عيسى وجوزيان الزير وريتا سليمان. على مسرح الأوديون - جل الديب، حتى 31 آب الجاري الساعة 8:30 مساءً.