افتتحت مساء الأربعاء الماضي، عروض مسرحيّة "روزماري" (RoseMary) التي تجمع على خشبة "مسرح المونو" في الأشرفيّة الممثلتَين بياريت قطريب ومايا يمّين في أداءٍ تمثيلي مكثف ومفعم بالمشاعر. المسرحيّة، التي تتواصل عروضها حتى 16 تشرين الثاني الجاري، من كتابة إيلي مكرزل في تجربته الكتابيّة الأولى للمسرح، ومن إخراج شادي الهبر، وإنتاج "مسرح شغل بيت".
تتناول مسرحيّة "روزماري" حكاية "روز" و "ماري"، امرأتَين تربطهما صداقة قديمة، يتمحور حديثهما في لقائهما الأخير حول كيفيّة مواجهة المرء نفسه بعد الخيانة والانكسار.
كتب إيلي مكرزل أوّل نصوصه المسرحيّة بقلمٍ مفعمٍ بالأحاسيس والرهافة الإنسانية، مقدِّمًا نصًّا يتجاوز الحكاية السطحيّة ليغوص عميقًا في دهاليز الذاكرة والخيبة والبحث عن الذات. فلا يكتفي بِسرد قصّة على الخشبة، بل يفتح أمام المتفرّج مرآةً واسعة ليتأمّل ذاته، مستعينًا بالكلمة كأداة مقاومة وبالمسرح كمساحة مواجهة لا تخلو من الصدق والوجع والدهشة.
تساؤل وجوديّ
يقول مكرزل في حديثه مع "نداء الوطن" إن فكرة المسرحية وُلدت من تساؤلٍ وجوديّ ظلّ يطارده طويلًا: كيف يواجه الإنسان نفسه بعد أن تعصف به الخيانة والانكسارات؟ كيف يرمّم ما انكسر فيه، ويعيد مصالحة ذاكرته مع واقعه؟ من هنا تنطلق الحكاية، لتتجسّد عبر شخصيَّتَي "روز" و "ماري"، صديقتَين قديمتَين تتقاطع بينهما الذكريات والخيبات، والماضي مع الحاضر، في حوارٍ مكثف يكشف هشاشة الإنسان أمام ذاته، ويطرح أسئلة أكثر ممّا يقدّم أجوبة.
في "روزماري"، اختار الكاتب لغة بسيطة في ظاهرها، لكنها غنيّة بالرموز والمعاني، مستخدمًا أسلوب الكوميديا السوداء ليصوغ مزيجًا دافئًا من الضحك والوجع، والعبث والصدق.
عنوان برموز كثيرة
لعنوان العمل أكثر من بُعدٍ رمزي. فهو لا يشير فقط إلى اسمَي الشخصيّتَين الرئيسيتَين، "روز" و "ماري"، بل يستعير دلالاته أيضًا من زهرة "إكليل الجبل" (Rosemary) التي ارتبطت عبر التاريخ بالذاكرة والوفاء، وبالقدرة على الاحتفاظ برائحة الماضي مهما مرّ الزمن. وكما تحتفظ الزهرة بعطرها رغم جفافها، تحتفظ شخصيّتا المسرحية بذكرياتهما، مهما حاولتا التظاهر بالنسيان.
"ماري" تشبهنا بضعفها
بعد غياب سبع سنوات عن الخشبة، منذ عام 2018، تعود الممثلة بياريت قطريب إلى المسرح مجسّدة شخصيّة "ماري". عودة ليست مجرّد محطة فنية عابرة، بل تجربة مكتملة الملامح، تعيد قطريب إلى الجمهور في دورٍ يختصر الكثير من الأحاسيس والتناقضات التي يعيشها الإنسان في رحلة بحثه عن ذاته.
الممثلة والإعلامية المعروفة تصف لـ "نداء الوطن" شخصية "ماري" بالمرأة الهشة التي أثقلتها الخيبات وكسرت الخيانة شيئًا منها، لكنها ما زالت تمتلك تلك القدرة العجيبة على الحبّ، وعلى التمسّك بالأمل رغم الانكسارات. "ماري"، كما تراها قطريب، ليست شخصية على الورق فحسب، بل صوت كلّ إنسان وجد نفسه عالقًا بين الرغبة في المضيّ قدمًا، والخوف من مواجهة ذاكرته.
عن العلاقة التي تربط بياريت قطريب بشخصية "ماري"، تقول إنها تتجاوز حدود الأداء إلى نوع من التماهي الإنساني والوجداني، إذ وجدت في ملامحها وتجاربها شيئًا من ذاتها، ما جعلها تشعر باتصالٍ فوريّ بالشخصيّة منذ اللحظة الأولى لقراءة النصّ. تضيف: "كلّ متفرّج سيجد في "ماري" شيئًا منه أيضًا، لأن المسرحية في جوهرها، تتحدّث عن تجاربنا جميعًا. عن الفقد، والخيانة، والخذلان، ومحاولاتنا الدائمة للبدء من جديد".
نسألها عن سبب انجذابها إلى النصّ، فتوضح أن الأمر يعود إلى غناه بالتناقضات والصّراعات الداخلية، إذ يجمع النص الذي وضعه إيلي مكرزل بين الحبّ والخذلان، وبين المواجهة والمصالحة، ما منحها فرصة للغوص في عمق النفس البشرية وتجسيد مشاعر مركّبة يصعب التعبير عنها.
تعترف الممثلة بياريت قطريب أن هذا الدَّور ترك أثرًا عميقًا فيها، ليس فقط لما يحمله من تحدّيات تمثيلية، بل لما فيه من صدقٍ يلامس التجربة الإنسانية العامة. فكل مشهد من مشاهد "ماري" – كما تقول – يشبه مرآةً صغيرة تعكس وجوهنا جميعًا.
"روز" تخاف الضعف
تفتح الممثلة مايا يمّين قلبها لـ "نداء الوطن" خلال حديثها عن شخصية "روز" التي تؤدّيها في مسرحية "روزماري"، فتصفها بالمرأة العقلانية، الحازمة، والقوية إلى درجة القسوة أحيانًا. هي امرأة تخاف الضعف، وتخفي جراحها تحت قناعٍ من الحزم. تقول يمّين إن العديد من مَشاهد المسرحية تركت أثرًا عميقًا في داخلها، خصوصًا المونولوغ الذي تلقيه "روز" حول حياتها السابقة، والذي تصفه يمّين بلحظة مواجهة صادقة ومجرّدة من كل أقنعة البطولة. تلك اللحظة، تكشف هشاشة الإنسان حين يقف وجهًا لوجه أمام ذاته.
تصف يمّين مشاركتها في هذا العمل المسرحيّ، بالاستثنائية بكل المقاييس، لأنها المرة الأولى التي تجمعها خشبة المسرح بالكاتب إيلي مكرزل والمخرج شادي الهبر، إلى جانب الممثلة بياريت قطريب. وتشير إلى أن هذا اللقاء الثلاثي خلق انسجامًا إنسانيًا وفنيًا نادرًا، فضلًا عن أن المسرحيّة تقوم بالكامل على شخصيّتَين فقط على الخشبة، ما يجعلها تجربة مسرحية دقيقة ومكثفة تتطلّب حضورًا قويًا وتوازنًا دقيقًا من حيث أداء الممثلتَين.
هذا التكوين الثنائيّ يُمثل تحدّيًا كبيرًا بالنسبة للممثلتَين، إذ يقع على عاتقهما وحدهما حمل النص وإيقاعه العاطفي والفكري، وإبقاء المتفرّج مشدودًا طوال الوقت.
نصّ استفز المُخرج
المخرج شادي الهبر يعبّر من جهته خلال حديثه مع "نداء الوطن"، عن حماسته الكبيرة خلال إخراج مسرحية "روزماري"، مشيرًا إلى أن ما جذبه إلى العمل منذ اللحظة الأولى هو قوّة النص وعمق فكرته وواقعيّته الصادقة التي تمسّ تفاصيل حياتنا اليومية. يتابع الهبر: نصّ إيلي مكرزل استفزني إيجابيًّا، إذ دفعني إلى خوض تجربة جديدة ومختلفة عمّا قدّمته سابقًا، لكونه يطرح أسئلة وجوديّة وإنسانية بجرأة وصدق".
يضيف الهبر أن "روزماري" ليست مجرّد مسرحيّة تُروى على الخشبة، بل تجربة شعورية وفكرية متكاملة، تحاول أن تلامس وجدان الجمهور. لذلك، كان التحدّي بالنسبة له هو ترجمة هذا العمق في المشاعر بلغةٍ مسرحية تجمع بين البساطة والدهشة، وبين الصورة والحركة، بحيث يصبح كلّ تفصيل – من الضوء إلى الصمت – جزءًا من الحكاية. ويؤكّد الهبر ختامًا أن غايته كمخرج ليست فقط أن يقدّم عرضًا جميلًا بصريًا، "بل أن يجعل المُشاهد يغادر الصالة محمَّلًا بفيض من التساؤلات والأحاسيس والأفكار التي سيصحبها معه بعد إسدال الستارة". أمرٌ أمكن ملاحظته على وجوه الذين حضروا "روزماري" في عرضها الأول، وأمكن سماعه في أحاديثهم الجانبيّة ومع أسرة المسرحيّة.
