جويل غسطين

في مسرحيّة "راديو ترانزستور"... الراديو كائن حيّ بين أدون خوري ويارا زخور

5 دقائق للقراءة

في محطّة القطار بين مقاعد الانتظار وصوت صفير القاطرات، لقاء عابر بين شاب وفتاة يتحوّل إلى لحظةٍ مفصليّةٍ تكشف أسرارًا خفيّة وحقائق صادمة عن كلَيهما. في هذه الأجواء، يصحب أدون خوري ويارا زخور جمهور المسرح إلى تجربةٍ متكاملة تجمع بين المتعة الفكرية والإحساس الإنساني العميق، حيث يقدّمان عملًا مسرحيًّا ينبض بالحياة والرّموز، ويُعيد إلى الخشبة دورها كمساحةٍ للتأمّل والتساؤل.

افتتحت مسرحيّة "راديو ترانزستور" عروضها في 9 تشرين الأول الجاري وتستمرّ حتى 2 تشرين الثاني على "مسرح المونو" في الأشرفيّة، لتحمل مشاهديها إلى عالمٍ تتقاطع فيه التكنولوجيا مع المشاعر، والواقع مع الخيال. وبأداءٍ صادقٍ وحوارٍ محكمٍ، ينجح الثنائي خوري وزخور في نقل رسالةٍ عميقة عن جوهر الإنسان وسط التحوّلات التكنولوجية السريعة، بأسلوبٍ فنيّ مبتكر ومميّز، عارضَين قصّة حبّ ووعي تنبض بالمشاعر وتدعو الجمهور إلى التّفكير بمعنى التواصل الحقيقي في زمن رقميّ بارد.


الراديو كائن حيّ

اختار بطلا المسرحيّة، الممثلان أدون خوري ويارا زخور، عنوانًا يحمل في طيّاته رمزيةً ثقيلة بالمعنى والحنين: "راديو ترانزستور"، ذلك الجهاز الصّغير الذي أحدث ثورة في القرن الماضي. في ذلك الحين، لم يكن مجرّد أداةٍ لنقل الصّوت، بل نافذةً على العالم رافقت أجيالًا كاملة في لحظات الفرح والحزن، الحرب والسّلام، والعشق والانتظار. من هنا، يتظهّر العنوان كتعبيرٍ عن الحنين إلى زمنٍ كانت فيه الكلمة تُسمَع بالقلب أكثر منها بالأذنَين، وزمنٍ كان فيه الإنسان يبحث عن الآخر عبر الموجات لا عبر الشاشات.

لا يظهر الرّاديو في المسرحيّة كعنصرٍ ديكوريّ أو تفصيلٍ تقنيّ، بل كروحٍ نابضةٍ داخل النصّ، إذ يتحوّل إلى شخصيّة ثالثة على الخشبة. شخصيّة ذات حضور حقيقيّ يوازي حضور أبطال القصّة وأهميّتهمم، حيث يتكلّم، يهمس، يواجه، ويكشف خفايا النفوس، مثله مثل باقي شخصيّات المسرحيّة.


ثنائي على الخشبة وخارجها

لا يقتصر تميُّز مسرحيّة "راديو ترانزستور" على نصّها العميق أو فكرتها الرّمزية المبتكرة، بل يتجسّد في الكيمياء الإنسانيّة والفنيّة التي تجمع بطلَيها وهما ثنائي حقيقي يعيشان الحبّ خارج المسرح، كما على خشبته. هذا الواقع يُضيف إلى العمل طبقة من الصّدق والعفوية، تجعل الجمهور يشعر بأن ما يراه ليس تمثيلًا بقدر ما هو نبض حياةٍ يُعرض أمامه في مشهدية صادقة ومؤثرة.

من هذا المنطلق، تقول يارا زخور لـ "نداء الوطن" إن "مشاركة المسرح مع من تحبّ من أجمل التجارب التي يمكن أن يخوضها الفنان، لأنها تفتح نوافذ جديدة للفهم والتفاهم وتزيد من الكيمياء في التمثيل". لكنها، في المقابل، لا تُنكر أن هذه الثنائيّة تحمل أيضًا تحدّياتها الخاصة: "في بعض الأحيان، نختلف على تفاصيل صغيرة، في الإخراج أو في تفسير المشهد". لكن هذه الاختلافات لا تفسد التجربة، بل تثريها. تمامًا كما في الحياة، لا يمكن للحبّ أن يكون دائم الهدوء؛ فمدّه وجزره هما ما يمنحانه الحياة والصدق.


خلفيّتان مختلفتان

في هذا العمل المسرحي، يُجسّد أدون خوري شخصيّة باحثٍ مثقفٍ مستقيم المبدأ يُدعى "مهنّا"، يدخل عالم يارا زخور التي تؤدّي دَور "فريدا"، ليختبر للمرّة الأولى معنى العاطفة. و "فريدا" فنانة ورسّامة تمرّدت على الحرب والماضي، ودفعت أثمانًا باهظة في علاقاتها السّابقة مع الرّجال.

ترفض يارا في حديثها معنا الكشف عن تفاصيل كثيرة حول الشخصية التي تؤدّيها "حفاظًا على عنصر التشويق"، إلّا أن ما ينعكس على الخشبة هو صراع بين منطق الباحث وعقلانيّته وحسّ الفنانة وجنونها الفكري.

هذا التباين بين الشخصيَّتين يُشكّل جوهر الحبكة الدراميّة، فهما وجهان لعملة واحدة: أحدهما يبحث عن الحقيقة بالعقل، والآخر يرسمها بالألوان والمشاعر. فلقاء الباحث بالفنانة ليس مجرّد تقاطع طريقَين، بل هو اصطدام بين عالمَين مختلفَين: عالم النظام والعقل، وعالم الفوضى الجميلة التي تصنعها الأحاسيس.


الإنسانيّة أولًا

في زمنٍ تتسارع فيه التكنولوجيا كقطارٍ سريع لا يتوقف، وتتحوّل فيه المشاعر إلى رموزٍ باردة على الشاشات، تأتي مسرحيّة "راديو ترانزستور" كأنها نداء إنسانيّ صادق من بين الضجيج، صوتٌ يشق طريقه عبر الموجات الحديثة، ليذكّرنا بما كدنا ننساه: جوهر الإنسان وقلبه.

يقول الثنائي زخور وخوري، إن هدفهما الأعمق من المسرحيّة التي يقدّمانها هو إعادة التذكير بما يجعل الإنسان إنسانًا، بتلك التفاصيل الصغيرة التي تشكّل نسيج الحياة، وهي: القدرة على التعاطف مع الآخر، على التأثر بما يحدث حولنا، على الضحك الصادق، والبكاء النابع من القلب، وعلى أن نحلم ونتذكّر ونحبّ من دون خوف. إنها ليست فقط دعوة للعودة إلى العاطفة، بل صرخة ضدّ اللامبالاة التي فرضها هذا العصر الرقميّ، حيث نمرّ على المآسي كما نمرّ على الأخبار، بلا توقف ولا تأمّل ولا إحساس.

في هذا السّياق، يصبح "راديو ترانزستور" أبعد من مجرّد عنوان، ويصير رمزًا لموجات إنسانية ضاعت في زحمة الإشعارات. فهو يدعونا لإعادة تشغيل ذاك التردّد الداخلي فينا الذي خفت مع الوقت، ولاستعادة فن الإصغاء، لا إلى الضجيج الخارجي بل إلى نغمة الرّوح التي تختبئ في أعماقنا.


الراديو يتكلّم لغة القلب

بذلك لا تبقى "راديو ترانزستور" مجرّد مسرحية تُشاهد، بل رحلة تعاش وعبور هادئ في بحرٍ من الأصوات التي تختلط فيها الذكريات بالأسئلة، والحنين بالضوء. وفي عالمٍ يعلو فيه الضجيج وتخفت فيه الأصوات الصادقة، تأتي هذه المسرحية كأنها نغمة نقيّة في تردّدٍ مزدحم، تذكّرنا بأن ما بين كلّ موجةٍ وأخرى، ثمّة قلبًا ما زال يخفق وروحًا تبحث عمّن يصغي إليها.

على الخشبة كما في الحياة، يظلّ الإنسان أجمل حين يصغي، وأصدق حين يحبّ. هناك، في تداخل الأصوات والأنفاس، تتجلّى الحقيقة الكبرى: ما يُبقي العالم حيًّا ليس التقنية ولا السرعة، بل تلك الموجات الخفية من الحنان والأمل، ومن إنسانيّتنا المشتركة.