يبدو أن القيادة الإسرائيلية عقدت العزم على احتلال قطاع غزة بالكامل بعد وصول مفاوضات وقف النار إلى طريق مسدود. المواقف السياسية والتسريبات الإعلامية في الدولة العبرية كلّها تدلّ على ذلك. فقد أكد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أمس أنه "علينا أن نواصل الوقوف معًا والقتال معًا لتحقيق أهداف الحرب التي حدّدناها جميعًا، وهي هزيمة العدو، وإطلاق سراح رهائننا، والوعد بأن غزة لن تشكل تهديدًا لإسرائيل"، مشيرًا إلى أنه سيعقد في وقت لاحق من هذا الأسبوع "اجتماعًا لمجلس الوزراء لتوجيه الجيش الإسرائيلي نحو تحقيق هذه الأهداف الثلاثة من دون استثناء"، في حين نقلت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية عن مقرّبين من نتنياهو أن "القرار اتُّخذ" و"نتجه نحو احتلال كامل" لغزة و"الحسم" مع "حماس". وتحدّثت عن أنه "ستكون هناك عمليات عسكرية في المناطق التي يوجد فيها رهائن".
وذكرت الصحيفة أنه من غير المستبعد أن يكون ذلك جزءًا من تكتيك تفاوضي للضغط على "حماس"، كاشفة أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعطى نتنياهو الضوء الأخضر "لشن عملية عسكرية مكثفة" على الحركة. وأفادت وكالة "رويترز" بأنه من المتوقع أن يقدّم الجيش الإسرائيلي اليوم بدائل تشمل توسيع نطاق العملية إلى مناطق لم ينفذ فيها عمليات في غزة، مشيرة إلى أن بعض القادة السياسيين يضغطون لتوسيع نطاق الهجوم، لكن الجيش قلق من أن ذلك سيعرّض حياة الرهائن الـ 20 الذين ما زالوا على قيد الحياة للخطر. وأكد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر ضرورة إعادة جميع المختطفين من غزة من دون شروط، مشدّدًا على أن إسرائيل لن تقبل بأي تسوية تُمليها "حماس".
وأوضح ساعر أن الحركة تسعى إلى فرض شروط تهدف إلى ضمان بقائها في الحكم داخل القطاع، حاسمًا أن لا مكان لـ "حماس" في غزة. وكشف وجود جهود أميركية لصياغة تصوّر لمرحلة ما بعد حرب غزة، مؤكدًا أن إسرائيل تبحث هذا الملف بالتفصيل مع واشنطن. ويأتي ذلك بعدما أكد المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف السبت الماضي أثناء زيارته لإسرائيل أنه يعمل مع الحكومة الإسرائيلية على خطة من شأنها أن تنهي الحرب في غزة فعليًا.
توازيًا، أفادت إذاعة الجيش الإسرائيلي بأن رئيس الأركان إيال زامير يشعر بإحباط متزايد إزاء ما وصفه بغياب الوضوح الاستراتيجي لدى القيادة السياسية، انطلاقًا من شعوره بالقلق من الانجرار إلى حرب استنزاف مع "حماس". ونقلت هيئة البث الإسرائيلية عن وزراء في الحكومة قولهم إن زامير قد يستقيل إذا أقرّت خطة احتلال القطاع بالكامل. وذكرت وسائل إعلام إسرائيلية أن زامير ألغى زيارته إلى واشنطن بعد تسريبات عن منح نتنياهو الضوء الأخضر لاحتلال غزة.
ميدانيًا، أفادت وسائل إعلام فلسطينية بأن حصيلة ضحايا الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة أمس بلغت 74 فلسطينيًا، بينهم 36 من منتظري المساعدات، بينما تواصل الإمارات جهودها الإنسانية المخصّصة لدعم الشعب الفلسطيني، حيث نفّذت أمس عملية الإنزال الجوي للمساعدات رقم 62 ضمن عملية "طيور الخير"، بالتعاون مع الأردن، وبمشاركة كل من فرنسا، ألمانيا، بلجيكا وكندا. واعتبر الرئيس الفلسطيني محمود عباس أن "الأولوية حاليًا تتمثل في الوقف الفوري والدائم للنار في غزة، والإسراع في إدخال المساعدات الإنسانية لوقف حرب التجويع، والإفراج عن الرهائن والأسرى، وتولي فلسطين مسؤولياتها كاملة في غزة".
في الغضون، زار رئيس مجلس النواب الأميركي مايك جونسون مستوطنة أرئيل في الضفة الغربية كجزء من برنامج خاص نظمته مجموعة مناصرة لإسرائيل، في أوّل زيارة من نوعها لمن يشغل هذا المنصب. وكشف موقع "أكسيوس" أن جونسون التقى خلال زيارته كبار أعضاء المجلس الإقليمي للمستوطنات ووجّه حديثه إلى رؤساء تلك المجالس قائلًا: "الضفة الغربية هي خط المواجهة لدولة إسرائيل، ويجب أن تكون جزءًا لا يتجزأ منها، حتى لو رأى العالم خلاف ذلك، فنحن ندعمكم"، في وقت وقّع فيه أكثر من 10 نواب ديمقراطيين في مجلس النواب الأميركي على رسالة تدعو إدارة ترامب إلى الاعتراف بدولة فلسطينية.
في المقابل، دانت الخارجية الفلسطينية زيارة جونسون وتصريحاته الداعية إلى ضمّ الضفة والتي وصفتها بأنها تحريضية، مؤكدة أن هذه التصريحات تعتبر "انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية والجهود العربية والأميركية المبذولة لوقف الحرب ودوامة العنف وتحقيق التهدئة، وتشجيعًا لجرائم الاستيطان والمستوطنين ومصادرة أراضي الفلسطينيين في تناقض صريح مع الموقف الأميركي المعلن في شأن الاستيطان واعتداءات المستوطنين".
أمّا على الصعيد الداخلي الإسرائيلي، فصوّتت حكومة نتنياهو بالإجماع على إقالة المستشارة القانونية للحكومة غالي بهراف ميارا، التي تتولّى حاليًا محاكمة نتنياهو في قضايا فساد، لكن المحكمة العليا أصدرت فورًا أمرًا موَقتًا بتجميد هذا القرار.