وصل علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي في إيران، إلى بيروت يوم الأربعاء 13 آب، وسط موجة غضب واعتراضات من اكثرية اللبنانيين على استمرار التدخل الإيراني في الشؤون الداخلية للبنان. جاءت الزيارة في أعقاب قرار تاريخي اتخذته الحكومة اللبنانية قبل أيام بحصر السلاح بيد الدولة ونزع سلاح ميليشيا "حزب الله" المدعومة إيرانياً، وهو قرار غير مسبوق اعتبرته طهران استهدافاً لنفوذها الإقليمي. ولم يكن مفاجئاً أن يسارع مسؤولون إيرانيون لرفض خطة نزع سلاح "حزب الله" والتحريض ضدها بوصفها "مؤامرة ستفشل" ما اعتبره اللبنانيون تعدياً سافراً على سيادة القرار. هكذا وجد لاريجاني نفسه في بيروت بين سندان قيادة لبنانية جديدة حازمة وحاسمة، ومطرقة حاجة نظامه الإيراني للدفاع عن نفوذه المتهاوي في المشرق. حلّ المسؤول الإيراني ضيفاً ثقيلًا على بيروت، والعيون ترصده لترى ما سيحمله من رسائل وسط هذه العاصفة السياسية.
من بغداد إلى بيروت: اتفاق أمني تحت الضغط
لم تأتِ جولة لاريجاني الإقليمية إلى لبنان من فراغ. فقد بدأها بزيارة بغداد يوم 10 آب قبل وصوله لبيروت، في محاولة لحماية ما تبقّى لنظام طهران من نفوذ في الشرق الأوسط، ففي العراق، سعى لإبرام تفاهمات تعزّز قبضة الميليشيات الموالية لإيران هناك، حيث يواجه الحشد الشعبي ضغوطاً متصاعدة لحله، وقد توّجت مباحثاته في بغداد بتوقيع مذكرة تفاهم أمنية لتنسيق ضبط الحدود بين العراق وإيران بحضور رئيس الوزراء محمد السوداني. ورغم محاولة طهران تصوير هذا الاتفاق كإنجاز استراتيجي، أكّد مصدر أمني عراقي أنه مجرد مذكرة تفاهم شبيهة بعشرات غيرها ولا ترقى إلى مستوى "اتفاق أمني" شامل. في جوهر الأمر، استجابت المذكرة لمطالب إيران بتشديد الإجراءات ضد تواجد الجماعات الكردية الإيرانية المعارضة في إقليم كردستان العراق، بعدما كانت طهران قد انتزعت من بغداد التزاماً سابقاً بملاحقة تلك الجماعات. بالتوازي، حرص لاريجاني على لقاء كبار المسؤولين العراقيين وقيادات الفصائل الشيعية محاولاً رأب الصدع داخل البيت الشيعي هناك، في ظل ما وصفه مراقبون بـ"انقسامات غير مسبوقة" بين حلفاء إيران في العراق. هكذا حمل لاريجاني حصيلة زيارته العراقية: اتفاق أمني محدود ورسائل تطمين لحلفاء طهران، ثم توجّه إلى بيروت، ليواجه تحدياً أشد صعوبة: قرار لبنان كف يد إيران عن ورقة "حزب الله".
تشير التحليلات إلى أن زيارة لاريجاني لبيروت جاءت ضمن مسعى طارئ من المرشد الإيراني لاحتواء خسائر نفوذه بعد سلسلة انتكاسات في الإقليم. فبينما تئن طهران تحت وطأة عزلة دولية وتحديات داخلية، تلقت ضربات موجعة بسقوط نظام حليفها في دمشق وانهاك ميليشياتها في لبنان بعد حرب مدمرة مع إسرائيل. في هذا السياق الحساس، أوفِد لاريجاني كـ"إطفائي" إلى ساحات نفوذ تتراجع، ليس لحصد مكاسب بل لمنع انهيارات إضافية. وكما قراءنا في ما يُتَداول ايرانياً، الهدف هو منع انقلاب ميزان القوى الداخلي في لبنان بالكامل ضد "حزب الله". أي أن طهران تسعى بالحد الأدنى لفرملة اندفاعة الدولة اللبنانية نحو إنهاء حالة الدويلة المسلحة. لكن حساب الحقل الإيراني بدا بعيداً جداً عن حصاد البيدر اللبناني هذه المرّة.
وقف لاريجاني في قصر بعبدا ليقابل رئيس الجمهورية العماد جوزف عون، فبادر الرئيس عون ضيفه الإيراني برسالة لا تحتمل التأويل: لبنان منفتح على التعاون مع إيران ضمن إطار السيادة والصداقة القائمة على الاحترام المتبادل. هذا التأكيد اللطيف في ظاهره ترافق مع تحذير حازم في طيّاته، إذ شدد عون على أن “اللغة التي سمعها لبنان في الفترة الأخيرة من بعض المسؤولين الإيرانيين غير مفيدة” ، في إشارة إلى التصريحات الاستفزازية التي أطلقت من طهران ضد قرار الحكومة اللبنانية. ذكّر عون أن صداقة إيران يجب أن تكون مع كل اللبنانيين لا مع فريق واحد أو طائفة واحدة، وأن لبنان يرفض أي تدخل في شؤونه الداخلية من أي جهة أتى. كما أكد أن الدولة اللبنانية بمؤسساتها وجيشها هي وحدها المسؤولة عن حماية جميع أبنائها، وأن وحدة اللبنانيين هي السلاح الأهم بمواجهة أي تحدٍّ إسرائيلي أو غيره. كانت لهجة عون واضحة بأن بيروت ضاقت ذرعاً بسياسة تحويلها إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، وبأن عهد الاستقواء بالخارج على حساب الداخل ولّى إلى غير رجعة.
انتقل لاريجاني إلى السراي الكبير حيث واجه موقفاً صارماً مماثلاً من رئيس الحكومة نواف سلام. لم يجامل الرئيس سلام ضيفه إذ خاطبه بصراحة بأن التصريحات الإيرانية الأخيرة المنتقدة لقرارات لبنانية سيادية والمهددة للبنان مرفوضة شكلاً ومضموناً لأنها تنتهك أبسط أصول الدبلوماسية ومبدأ احترام السيادة المتبادلة. وأكد سلام أن "أي مسؤول لبناني لا يجرؤ على التدخل في شؤون إيران الداخلية، ولذا لن نقبل أن يتدخل أحد في شؤوننا". ذكّره أيضاً بأن لبنان دفع أثماناً باهظة دفاعاً عن القضية الفلسطينية في مواجهة إسرائيل و"ليس بحاجة لدروس من أحد" في هذا المجال. كما شدّد سلام على أن أي علاقة مع لبنان يجب أن تمر عبر مؤسسات الدولة الرسمية وليس عبر أي فريق سياسي أو قنوات موازية، رسالة واضحة برفض أي تعامل إيراني مباشر مع حلفائها في لبنان بمعزل عن الدولة. وختم سلام مؤكداً أن القرارات السيادية اللبنانية تنبع من المصلحة الوطنية اللبنانية وحدها، بما فيها قرار خطة نزع السلاح وجدولها الزمني، ولن تكون موضع نقاش في أي عاصمة أجنبية.
هكذا، خلال ساعات قليلة، سمع علي لاريجاني في قصر بعبدا والسراي عبارات غير معهودة في التخاطب مع مسؤول إيراني بهذا المستوى. أدرك مبعوث طهران أن الحقبة الجديدة في بيروت تختلف جذرياً عن منظومة الممانعة: لبنان 2025 يعلن بصوت واحد أن عهد الوصاية والانتهاك لسيادته قد انتهى. ولعل أبلغ ما قيل للاريجاني هو تذكير الرئيس عون له بأن "لبنان سئم أن يدفع ثمن حروب الآخرين على أرضه" في موقف يعكس وعياً تاماً بأن سياسة المحاور الإقليمية هي التي أنهكت لبنان اقتصادياً وأمنياً على مدار عقود.
خطاب لاريجاني المزدوج بين بعبدا والسراي وبين عين التينة وانقلاب السحر على الساحر
على النقيض من تحفظه في بعبدا، اختار علي لاريجاني منبر عين التينة لدى لقائه رئيس مجلس النواب نبيه برّي، ليخرج عن صمته ويرد على الرسائل اللبنانية ولكن على طريقته. حاول لاريجاني الظهور بموقع الناصح والندّ في آن واحد. فبعد أن كان مستمعاً في بعبدا والسراي، صرّح من عين التينة بأن "من يتدخل في شؤون لبنان الداخلية هو من يملي عليكم الخطط والجداول من على بُعد آلاف الكيلومترات" في تلميح واضح إلى الولايات المتحدة التي رعت الخطة الأخيرة. وحرص على التأكيد أن إيران لا نية لها بالتدخل في شؤون لبنان أو غيره، وأنها "لم تقدّم للبنان أي ورقة كما فعل الأميركيون". بهذا الكلام حاول لاريجاني أن يقلب الطاولة باتهام واشنطن بأنها المتدخلة، متبنّياً سردية محور الممانعة التقليدية. وتمادى المسؤول الإيراني في تزكية خيار "المقاومة" فدعا اللبنانيين صراحةً إلى التمسك ب"حزب الله" وسلاحه قائلاً إننا "ننصحكم بالمحافظة على المقاومة وتقديرها عالياً" ولم ينسَ أن يمتدح مضيفه نبيه بري واصفاً إياه بـ"صديقنا ورجل الساحة السياسية" في لبنان، في غمزٍ من قناة الرؤساء الآخرين.
هذا التباين في خطاب لاريجاني، بين دبلوماسية هادئة في حضرة رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، ولهجة تحدٍ واستعلاء حين اختلى بحلفائه، كشف عن ازدواجية فجة في نهج النظام الإيراني. يتظاهر باحترام سيادة الدولة اللبنانية أمام الرسميين، ثم يحرض ضد قراراتها حين يأنس جانب جمهور الممانعة. حتى أن قناة الحدث نقلت أنه برر التصريحات الإيرانية السابقة بأنها كانت "غير مقصودة"، محاولاً امتصاص النقمة، لكنه في الوقت ذاته لم يتردد عن القيام بخطوة استفزازية تمثّلت بزيارة ضريح السيد حسن نصر الله ليعلن من هناك تمسك طهران بخيار المقاومة مهما كلّف الأمر. لقد أراد لاريجاني بتحركه هذا توجيه رسالة مضادة لما سمعه من المسؤولين اللبنانيين: فحواها أن إيران لن تتخلى عن ذراعها المسلّح في لبنان، وأنها حاضرة لملء أي فراغ قد ينشأ من انسحابها التكتيكي تحت الضغط. هذه الرسالة أكدت للبنانيين صواب مخاوفهم: فالرجل أقرّ عملياً بأن طهران تعتبر "حزب الله" ورقة نفوذ إقليمية وأداة لخدمة مصالحها الخاصة.
جدير بالذكر أن لاريجاني حاول أيضًا استثمار ورقة التهديد الإسرائيلي لإحراج خصومه اللبنانيين، فعرض استعداد إيران للوقوف إلى جانب لبنان في حال أي تصعيد إسرائيلي. لكن هذا العرض قوبل بفتور وسخرية، إذ يدرك اللبنانيون أن من يصعّد مع إسرائيل ويستجلب حروبها على لبنان هي مغامرات "حزب الله" بإيعاز إيراني، ومهما تظاهر مبعوث طهران بالحرص على لبنان، فإن الحقيقة الساطعة أن إيران نفسها امتنعت عن نجدة "حزب الله" خلال الحرب الأخيرة وتركت بيئته تتلقى الضربات. وعود طهران بالمساعدة مجرد كلام للاستهلاك الإعلامي، فإيران المنهكة اليوم بالكاد تستطيع دعم ميليشياتها مالياً بعد انهيار شريان التهريب عبر سوريا ولبنان. وبالتالي جاء عرض لاريجاني كلاماً فارغاً، فيما يعرف اللبنانيون أن طهران لن تقاتل دفاعاً عنهم بل ستقاتل بهم حتى آخر لبناني في أي مواجهة تخدم أجندتها.
لقد أكدّت زيارة علي لاريجاني للبنان وما رافقها من تصريحات متناقضة حقيقة النهج الإيراني في المنطقة. فهذا نظام عقائدي براغماتي، يقول الشيء ونقيضه وفق ما تقتضيه مصلحته: يمارس التقية السياسية فيعلن احترام سيادة الدول فيما يمعن في تقويضها على الأرض. يظهر بمظهر الحريص على استقرار البلدان العربية الهشة كلبنان وسوريا واليمن، بينما يغذي الصراعات المدمرة داخلها عبر وكلائه المحليين. فعلى امتداد 40 عاماً من التدخلات الإيرانية، دفع لبنان وشعبه أثماناً كارثية. لقد أسفرت سياسات طهران عن تدمير اقتصاده وإعادته عقوداً إلى الوراء. يكفي تعداد بعض من كوارث تلك السياسات: حرب تموز 2006 التي أحرقت الأخضر واليابس في لبنان، أحداث 7 أيار 2008 حين استخدم "حزب الله" سلاحه ضد اللبنانيين، تورط الحزب في الحرب السورية الذي جلب للبنان عزلة عربية ودولية، وحرب الإستاد الأخيرة التي كانت لعنة ونعمة في نفس الوقت، بعد انهيار محور الممانعة بأكمله جرّاء خوض المعارك في الاقليم بعد عملية حركة حماس في 7 أكتوبر.
اليوم، يقف لبنان على حافة مفترق تاريخي وهو يحاول الخروج من نفق الهيمنة الإيرانية. ويبدو أن رسالة بيروت وصلت واضحة إلى مسامع لاريجاني: لا وصاية بعد اليوم على القرار اللبناني الحر. قد يستمر النظام الإيراني بالمراوغة والكذب ولو ظهر بلباس الصدق، وقد يظن أنه بمناوراته اللفظية يستطيع الحفاظ على ما تبقى له من موطئ قدم. لكن عين اللبنانيين مفتوحة على حقيقتين ثابتتين: الأولى أن إيران باعت وعوداً كاذبة طالما تذرعت بدعم الشعوب المستضعفة بينما لم تجلب لتلك الشعوب إلا الويلات، والثانية أن زمن استقواء أي فريق لبناني بالخارج قد ولى بلا رجعة. وإن كان علي لاريجاني قد حاول في زيارته الأخيرة ترميم صورة نظامه المهتز، فإن مواقفه الملتبسة لم تزد اللبنانيين إلا قناعة بأن النظام الإيراني يمارس الكذب الاستراتيجي خدمةً لمصالحه، حتى لو أوحى في لحظة ما بحديث الصدق. وفي المحصلة، انقلب السحر على الساحر في بيروت، وخرج لاريجاني منها كما دخلها، مثقَلاً بأعباء أكاذيب نظامه وأوهام نفوذه الآفل.