في شوارع بيروت وطرابلس وصيدا، وعلى أرصفة القرى الصغيرة في البقاع، لم يعد مشهد كبار السن الذين يواصلون العمل بعد الستين أو السبعين غريبًا. فبينما كان يُفترض أن تكون الشيخوخة مرحلة للراحة والاستمتاع بما تبقى من العمر، أصبح واقع كبار السن في لبنان معركة يومية مع الفقر والمجهود البدني والضغط النفسي. الأزمة الاقتصادية التي ابتلي بها لبنان منذ عام 2019 أكلت مدخرات الأجيال، وانهيار العملة المحلية وارتفاع الأسعار إلى مستويات قياسية جعل من البقاء على قيد الحياة تحديًا يوميًا، وسط غياب شبه كامل لنظام تقاعد شامل. وبالتالي، يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا: متى سنتوقف عن العمل… أم أننا سنموت ونحن نعمل؟
الأرقام تكشف مأساة الأجيال
وللوقوف على حجم الأزمة، تكشف الإحصاءات الرسمية والمعطيات الدولية عن واقع صادم. يشير أحدث التقارير إلى أن نحو 80 % من اللبنانيين لا يتمتعون بأي تغطية تقاعدية رسمية، أي أن أربعة من كل خمسة مواطنين سيصلون إلى مرحلة الشيخوخة بلا أي ضمان اجتماعي يحميهم. وفي المقابل، فإن نسبة الذين يحصلون فعليًا على معاشات لا تتجاوز 10 %، ومعظمهم من موظفي القطاع العام والأجهزة الأمنية، الذين كانت لديهم امتيازات كبيرة مقارنة ببقية المواطنين.
ومن هنا يتضح أن الفقر ليس مجرد رقم، بل واقع يعيشه المسنّون يوميًا. فقد تضاعف معدّل الفقر من نحو 12 % عام 2012 إلى أكثر من 44 % في بعض المناطق اللبنانية عام 2022، وفق البنك الدولي، فيما فقدت الليرة اللبنانية أكثر من 98 % من قيمتها، ما جعل أي دخل ثابت بلا قيمة فعلية، وحتى المعاشات التي كانت تكفي في الماضي لتغطية الحد الأدنى من الاحتياجات، أصبحت عاجزة عن سد رمق الحياة اليومية، معظم المسنين يعتمدون على دعم أبنائهم أو تحويلات من الخارج، وهو دعم هشّ يتأثر بأي أزمة اقتصادية أو سياسية، ما يدفع الكثيرين إلى العودة للعمل في سن متقدمة لمجرد تأمين أبسط احتياجاتهم.
نظام تقاعدي مجزّأ وغير شامل
وإذا انتقلنا إلى الأسباب البنيوية، نجد أن أزمة التقاعد في لبنان ليست وليدة الأزمة الحالية فحسب، بل هي نتاج عقود من السياسات غير المتكاملة. فالنظام التقاعدي اللبناني دائمًا ما كان مجزأً، يقدم امتيازات سخية لفئة محدودة من موظفي الدولة، بينما يترك القطاع الخاص والاقتصاد غير الرسمي بلا أي حماية.
وتفاقم الوضع بعد الأزمة المالية في أواخر 2019، حيث تآكلت مدخرات صناديق التقاعد نتيجة انهيار المصارف، وفقدت الودائع قيمتها الحقيقية بسبب التضخم، ما جعل المعاشات بلا فائدة حقيقية. كبار السن الذين كان من المفترض أن ينعموا بالراحة بعد سنوات طويلة من العمل الشاق، وجدوا أنفسهم مضطرين للاستمرار في العمل اليومي، ليس رغبة منهم، بل لمجرد البقاء على قيد الحياة.
القانون الجديد… أمل مؤجل
وفي محاولة لمعالجة هذا الواقع، أقرّ البرلمان اللبناني في كانون الأول 2023 القانون رقم 319، الذي ينص على إنشاء نظام تقاعدي مساهم داخل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، يستهدف العاملين في القطاع الخاص. ويصف الخبراء هذا القانون بالخطوة المهمة، إلا أنه يبقى حبرًا على ورق، إذ يتطلب التنفيذ مراعاة التمويل، إيجاد آليات لحماية المدخرات من التضخم، وضمان شمول الفئات الأكثر هشاشة، وخصوصًا العاملين في الاقتصاد غير الرسمي الذين يمثلون نسبة كبيرة من القوى العاملة في لبنان.
المنظمات الدولية تحذّر من أن الإصلاحات الجزئية لن تكون كافية، وأن أي تأخير في تطبيق القانون يعني استمرار فئات واسعة بلا حماية مالية في مرحلة الشيخوخة، مع استمرار الاعتماد على الأسرة والدعم الخارجي، وهو واقع هشّ وغير مستدام.
شيخوخة بلا أمان
لننتقل الآن من الأرقام والسياسات إلى الواقع اليومي، حيث تكشف قصص الناس حجم المأساة. أبو فؤاد، 68 عامًا، كان موظفًا إداريًّا في شركة خاصة، خرج منها قبل عشر سنوات بلا أي تعويض تقاعدي. اليوم يقف على بسطة صغيرة في كورنيش بيروت يبيع القهوة والمياه للمارّة. يقول لـ "نداء الوطن": "كنت أحلم أن أقضي وقتي مع أحفادي، لكن الحياة صارت أغلى من أن تُعاش بلا دخل. أنا أعمل حتى لا أمد يدي لأحد، وحتى لا أشعر بالعجز أمام أولادي".
ولا يختلف وضع أمينة، 64 عاماً، التي كانت تعمل في مطبعة خاصة، كثيرًا عن حال ابو فؤاد، فهي تضطر اليوم إلى خدمة المنازل وبيع السلع البسيطة في الأسواق لتغطية حاجاتها اليومية. تقول بغصّة لـ "نداء الوطن": "التقاعد حلم بعيد جدًا في لبنان، وأنا أعرف أن أغلبية الناس حولي سيظلون يعملون حتى آخر العمر".
ومن خلال هذه القصص الحية، يتضح أن كبار السن يعملون ليس طوعًا، بل خوفاً من الفقر والإذلال، ويخوضون معركة يومية للبقاء على قيد الحياة.
ما العمل؟
لذلك، تدعو المنظمات الدولية إلى إصلاح عاجل وشامل يبدأ بإطلاق معاش أساسي لجميع المسنين كشبكة أمان أولية، وتوسيع شمول نظام الضمان الاجتماعي ليشمل العاملين في الاقتصاد غير الرسمي، واعتماد آليات تمويل شفافة ومستدامة. ولا يقتصر الحل على الموارد المالية وحدها، بل يحتاج أيضاً إلى إرادة سياسية حقيقية، لمواجهة الهدر والفساد، وإعادة النظر في أولويات الدولة، لتصبح حماية كبار السن حقًا اجتماعيًا لا امتيازًا لفئة محدودة.
اختبار أخلاقي قبل أن يكون اقتصاديًا
وبناءً على ما سبق، لبنان اليوم أمام مفترق طرق: إما أن يبني نظام تقاعد شاملًا يحمي كرامة مواطنيه، أو أن يترك أجياله تعمل حتى تسقط من التعب. جيل كامل يشيخ بلا أمان، يعيش على الحافة بين العمل الإجباري والموت من الفقر. وفي النهاية يبقى السؤال الأكثر إيلامًا: هل سنعرف يومًا معنى التقاعد… أم أن نهاية حياتنا ستكون في مكان العمل؟