قراءة في عمل الجمعيّات

"وهْم المجتمع المدني" للدكتور أحمد الديراني

8 دقائق للقراءة

يتناول الأستاذ الجامعيّ الدكتور أحمد الديراني في كتابه "وهْم المجتمع المدني... نقدُ البُنية والدَّور بين الطائفة والدولة "المُعلَّقة" وتجربتي في "مؤسسة عامل"" الصادر عن "دار سائر المشرق"، دَور الجمعيّات المدنيّة وأهدافها ووظائفها، وما يتحدّث عنه القائمون عليها حول التغيير الاجتماعي والسياسي الذي يسعون إليه عن طريق هذه المؤسسات. يرى الديراني من خلال تجربته كباحث اجتماعي وكمنفذ ومشرف على دراسات وأبحاث حول الوضع النقابي وسوق العمل، أن هدف التغيير لا يجد عادةً آذانًا صاغية لدى المانحين لعدم توافقه مع سياساتهم أو الدَّور الذي يريدونه للجمعيات والمجتمع المدني. في "فصل من كتاب" هذا الأسبوع، تنشر لكم "نداء الوطن" المقدّمة التي وضعها الديراني لكتابه.

هل النمو المطَّرِد للجمعيات المدنية و/أو الأهلية، والتحاق المناضلين اليساريين السابقين (وأنا منهم) والنُّخَب المثقفة بها، يشكِّل انسحابًا من السياسة إلى اللا-سياسة، أو توهُّمًا لأدوار رائدة ولنجاحات وهميّة؟

هل باتت الخدمات التي تقدِّمها الجمعيات، من الإغاثة إلى الخدمات الاجتماعية والقانونية وبناء القدرات والمهارات، المنعزلة عن إطارها المجتمعي، دون التطرُّق إلى الأنظمة والقوانين والبنى السياسية والمجتمعية السائدة في البلد والمجتمع، هل هي إنجازات سياسية وتغييرات ديمقراطية على طريق تحقق المواطَنة والدولة المدنية؟

هل تُعَدُّ الديوانية أو الروابط العائلية أو التجمُّعات المناطقية من مكوّنات "المجتمع المدني"؟ هل تُعَدُّ كلُّ جمعية غير ربحية، حائزة على العلم والخبر من وزارة الداخلية، من منظمات "المجتمع المدني"؟ هل الجمعيات والنقابات بمنأى عن الانتماءات الطائفية والمذهبية؟

هل يتحدَّد "المواطن" بالوعي الذاتي والثقافة فقط، أم بالأبعاد الاقتصادية والقانونية والمجتمعية؟ كيف تُترجَم المواطَنة في عملية انتخابية، ترشُّحًا أو انتخابًا، أساسها الانتماء الطائفي وتمثيل الطائفة، من البرلمان إلى المجالس النقابية التي تمثِّل النخب في المجتمع؟ كيف يكون الفرد مواطنًا بينما الوظائف تُوزَّع على أساس الانتماء الطائفي؟

كيف تُحقق المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، عندما لا يكون هناك مواطنون بل رعايا طوائف؟ كيف تُحدَّد علاقتهم بالدولة؟ عبر الحقوق والواجبات المتبادَلة والاستفادة من الخدمات، الفرديّة أو الجماعيّة، التي تقدِّمها الدولة، أي عبر علاقة يحكمها القانون؟ أم يقرِّرها انتماؤهم إلى إحدى الطوائف المُعترَف بها في لبنان؟ ما يجعل الانتماء الطائفي عنصرًا جوهريًّا في العلاقة بالدولة، التي تدير "مجتمعًا" مؤلَّفًا من طوائف وليس من مواطنين، ناهيك بمواطنين متساوين بالحقوق والواجبات.

يلتبس استخدام العديد من المفاهيم المجتمعية (مثل المجتمع المدني والمجتمع الأهلي، والمواطِن والرعايا، والبُنية الطائفية للمجتمع والبُنية الطبقيّة والدولة...)، ويكتنف تفسيراتها، المستورَدة و/أو المُسقَطة على واقعنا، الغموض في بعض الأحيان، وقد يختلف فهمها حدَّ التناقض في بيانات ودراسات الجمعيات والدوائر البحثية التابعة لها.

يقدِّم هذا الكتاب محاولة لمعالجة هذه المفاهيم في سياق الواقع اللبناني، من خلال قراءة البنية المجتمعية والقانونية وطبيعة السُّلطة في لبنان، والتدقيق في آلية الانتظام الاجتماعي فيه بين الطائفة والطبقة. بالإضافة إلى قراءة نقدية للتكوين البنيوي للنقابات والجمعيات وآلية تأدية وظائفها وأدوارها بالصلة مع الأهداف المفترَضة لها، في محاولة لفهم ما يمنع ولادة "المواطِن" ويحول دون نشوء الدولة العابرة للطوائف.


عطب منهجيّ تاريخيّ يتكرّر

كان الخطاب اليساريّ في ستينات وسبعينات القرن الماضي، جيل الماركسيّين والشيوعيّين، يحتوي على عطب منهجي في طريقة استخدام مفاهيم النظرية الماركسية، مثل الصراع الطبقي وديكتاتورية البروليتاريا، كأدوات معرفيّة لتحليل وفهم الواقع المجتمعي في لبنان، ولوضع الخطط المرحلية والاستراتيجية لأحزابنا والمهام التغييرية. إذ اعتقدنا أن ما يحرِّك مجتمعَنا ويقرِّر منحى واتجاهات الصراع الاجتماعي فيه، هو الصراع الطبقيّ دون غيره من العوامل والبنى الاجتماعية والثقافية، فأهمَلْنا التكوين الطائفي للبنية المجتمعية اللبنانية ودور الطوائف الذي كان حاسمًا في تقرير اتجاهات الصراع في أكثر من مرحلة ومحطة من تاريخ لبنان. لم تحظَ الطائفية والبُنية المجتمعية الطائفية بالاهتمام اللازم، ولم تُفهَم جيِّدًا، فتحوَّلَت "الطائفية" لدى الشيوعيين إلى "مرض وشبه فيروس" يُصيب الطبقة العاملة من خارجها، أو أداة تستعملها البرجوازية لتخريب وعي ونضالات الطبقة العاملة، ولا يزال هذا التقصير وعدم الفهم ساري المفعول لغاية اليوم.

لتبسيط الأمر، يمكننا القول إننا تصوَّرْنا مجتمعًا ما، مكوَّنًا من الطبقات الاجتماعيّة الكلاسيكيّة التي شهدتها أوروبا، مع بعض الاختلافات، ومحكومًا بالصراعات الطبقية وبأدوار "مُفتَرَضة" للطبقات الاجتماعية اللبنانية مُستمَدَّة من الأدبيّات الماركسية. رغم محاولة غير مكتملة قامت بها "منظمة العمل الشيوعي" في لبنان آنذاك لإرساء رؤية تجديدية للتركيبة الطبقية وبداية فهم الطائفية ودورها المجتمعي والاقتصادي، لم نشهد خروجًا على أساسيات التحليل الماركسي. طبعًا، هذا المجتمع الذي افترضناه نظريًّا ووضعنا الخطط له لم يكن موجودًا في الواقع، فذهبت الخطط أدراج الرياح.

أشير هنا إلى أنَّ المفكِّر وضاح شرارة، صاحب الدور الأبرز في تأسيس "اليسار الجديد" في بداية السبعينات من القرن الماضي، الذي أفضى لاحقًا إلى إنشاء "منظمة العمل الشيوعي" في لبنان، كرَّس فصلًا في كتابه السلم الأهلي البارد، بعنوان "عمّال لبنان بلا طبقة"، دلالةً على عدم اكتمال تبلوُر التكوين الطبقي في المجتمع اللبناني أو التكوين الهش للطبقات في لبنان.

العطب المنهجي يتكرَّر اليوم في خطاب، أو خطابات، المجتمع المدني والجمعيات المدنيّة.


وَهْمُ استيرادِ التمدُّن والحداثة الغربيَّيْن

في الوقت نفسه، يتوهَّم ناشطون وباحثون وبعض "الشرائح الحداثوية" في بلداننا أن استيراد التمدُّن والحداثة الغربية يكون عبر التشبُّه ببعض الممارسات وأشكال التحديث. ويعمد كثيرون منهم إلى استيراد المفاهيم من خارج سياقات نشوئها ومسارات التطورات المجتمعية التي وُلدت في كنفها، بدلاً من البحث ودراسة المعوِّقات المجتمعية والاقتصادية التي حالت دون ولادتها محلِّيًّا. كذلك لا يشكِّل استيراد نموذج "المنظمات غير الحكوميّة" (NGOs)، مع معاييرها في الحَوكمة والدَّور المجتمعيّ المرسوم لها، دلالةً على التمدُّن والحداثة، بِحُكم نشوئها هي الأخرى في سياقات معرفيّة ومجتمعيّة مدنيّة مُعيَّنة، لتلبية وظائف وأدوار في بيئتها تختلف تمامًا عن بيئتنا المجتمعيّة والسياسيّة، حيث تستخدم الأدوات والمفاهيم المُنتَجة في الغرب لِدَور الجمعيات المدنية في مجتمعات "المواطَنة" و "الفردنة" الغربية، لفهم مجتمعاتنا ووضع الخطط للدَّور المتصوَّر للجمعيّات في بلداننا. فيفترض حاملو هذا الخطاب أنَّ مجتمعاتنا مكوَّنة من مواطنين متساوين بالحقوق والواجبات، وأن الانتظام الاجتماعي العام يقوم على المساواة بينهم.

في هذا السياق، تُعالَج الطائفية بالدعوة إلى المواطَنة، وإصلاح الخلل في وعي الأفراد لمفهوم المواطِن، بدون التطرُّق إلى غياب البنية التحتية المجتمعية والقانونية التي تؤطِّر وتعترف بوجود "المواطن". فتغيب المعرفة الحقيقية للبنية القانونية المجسِّدة لوجود الطائفية، وبغيابها تضيع أولوية تغيير القوانين التي تعيق ولادة "المواطن" ودولة القانون في الوقت نفسه. ويغيب عن إدراكهم ما تمثله الطائفية كعقبة مجتمعيّة بنيويّة في عمليّة التغيير، التي لا يمكن أن تنتظم بدون تفكيك البنية الطائفية قانونيًّا ودستوريًّا، والأهم اقتصاديًّا. فهُم يكرِّرون الخطأ نفسه بتصوُّرهم مجتمعًا مغايرًا للمجتمع القائم، ويعيشون في غربة عن ناسهم ومجتمعاتهم. مجدَّدًا لا تزال الحاجة ماسَّة إلى فهم واقعنا ومجتمعنا ووضع الخطاب الملائم له.

لماذا تجشَّمتُ عناء الكتابة عن "مؤسسة عامل" وتجربتي معها؟

أوَّلًا، مثلَت "الهيئة الوطنية للعمل الشعبي – عامل" تجربة غنيّة، يمكن الاستفادة منها لفهم وتقييم العلاقات الممكنة التي تنشأ بين "الحزب المؤسِّس"، أي "منظمة العمل الشيوعي"، والمؤسسات الشعبية والديمقراطية التي يُنشئها؛ والبحث في حدود التبعيّة والاستقلاليّة في هذه العلاقات وديمقراطيتها، ومستوى التواصل والتكامل مع العاملين في هذه المؤسسات، أو الانفراد والاختزال والإقصاء؛ بتعبير آخر، البحث في إمكانية تشكيل المؤسسة مشروعًا عامًا يشعر القائمون بها والمستفيدون منها بالانتماء إليها، أو تحوُّلها مشروعًا خاصًّا وملكيّة فردية.

ثانيًا، لعبت "مؤسسة عامل" دورًا في تاريخ العمل الوطني والصحي والاجتماعي خلال الحرب الأهلية اللبنانية وما بعدها، واحتضنت نضال العديد من المناضلين والمناضلات وعطاءاتهم – أطباء وطبيبات، كوادر وكادرات، رفاق ورفيقات من "منظّمة العمل الشيوعي"، وأصدقاء وصديقات وفعاليات اجتماعية وشعبية. بدءًا بالشريك المؤسِّس د. كامل مهنَّا وسائر الشخصيات الوطنية والفعاليات الصحية التي استقطبتها، الذين شاركوا بتجربة المؤسسة ونهضوا بها في أحيائهم وقراهم وبلداتهم، فكانت، من المؤسسات الرائدة والمتفرِّدة في دَورها وحجم عطائها وخدماتها.

ثالثًا، وهو بيت القصيد، كي لا تضيع معالم التجربة ومنعًا لمصادرة التاريخ أو تغييب أيّ من أطراف المؤسسة ومَن شاركوا فيها وضحُّوا من أجلها.


غلاف الكتاب