الياس دمّر

جرعة ضروريّة من الضّحك

"BornStars" يُعيد الكوميديا إلى الصالات اللّبنانيّة!

6 دقائق للقراءة

لم تعُد الكوميديا السّينمائية قادرة على احتكار الضّحكة كما اعتادت في عقودٍ سابقة. فبين كليشيهات مُكرّرة ومواقف مُبتذلة، فقدت الأفلام الكوميديّة بريقها وطاقتها الحقيقيّة التي كانت تمنح المُشاهد فُسحةً من الفرح والرّاحة النفسيّة. اليوم، أصبح الجمهور يبحث عن ضحكةٍ سريعة وخاطفة في مقاطع قصيرة على منصّات التّواصل الاجتماعي، حيث لا يحتاج الأمر إلى حبكةٍ أو بناء شخصيّات، بل يكفي مشهد طريف أو "سكتش" عابر لتعويض ما عجزت عنه شاشة السّينما الكبيرة. هذا التحوّل يطرح سؤالًا تحت المجهر: هل ما زالت السّينما الكوميديّة قادرة على تجديد نفسها وإقناع جمهورها؟

ضمن السّياق المأزوم للأفلام الكوميديّة، يطلّ علينا فيلم لبناني جديد، يحاول كسر هذه النّمطية عبر مُقاربةٍ جريئةٍ وغير مألوفة. فيلم "BornStars" يروي قصّة خمسة أصدقاء شباب يُقرّرون خوض مُغامرةٍ عبثيّة بتصوير فيلم "بورنو" محلّي. أمّا الدّافع، فليس الشّغف أو التحدّي، بقدر ما هو سعيٌ يائسٌ لتأمين 7,000 دولار خلال عشرة أيّام، لأجل تسديد قسط جامعة أحدهم!


إذا "الفرنجي برنجي" ماذا عن الوطني؟

تتكرّر في تاريخ السّينما الكوميديّة العالميّة، ثيمة: "الإباحيّة لأجل القضيّة"، كمدخلٍ ساخرٍ يفضح مُفارقات اجتماعيّة ويختبر حدود التّابوهات. يكفي أن نتذكّر فيلم "The Full Monty" (إنتاج عام 1997) الذي لجأ فيه عاطلون عن العمل إلى عرض تعرّ لإنقاذ وضعهم المالي، أو "Zack and Miri Make a Porno" (إنتاج عام 2008) حيث وجد صديقان الحلّ لسداد ديونهم بفيلم جنسي. كما قدّم فيلم "The Amateurs" (عام 2005) نسخةً أكثر سُخريةٍ عن بلدةٍ كاملة تتكاتف لإنجاز فيلم إباحي بدافع البحث عن معنى لحياتها.

عبر هذه النّماذج، نرى كيف يتحوّل مشروع إنتاج محتوى جنسي إلى رمز لتمرّدٍ على البطالة، أو على العجز الاقتصادي، أو على رتابة الحياة في المُدن الصّغيرة. هذه الأفلام لا تُعنى بالجنس كمُمارسة بحدّ ذاته بقدر ما تتّخذه مجازًا عن التمرُّد وكسر القيود. انطلاقًا من هذا الأسلوب، يسعى فيلم "BornStars" في مُحاولةٍ محليّة لتبنّي الرّوح ذاتها، لكن ضمن بيئةٍ تعجّ بالثّقل الاجتماعي والدّيني والسّياسي.


هنا، لا يعود مشروع "البورنو" نُكتةً عابرة، بل يُصبح وسيلة لفضح النّفاق الجماعي (Collective Hypocrisy) وكشف هشاشة بُنية القيَم (Values Structure) التي تتحكّم بالمشهد الثّقافي اللّبناني. بهذا المعنى، ينجح "BornStars" في مُحاورة النّموذج العالمي، لكنّه يُضفي عليه خصوصيّة نقديّة تُضيء على واقعٍ عربي، قلّما تجرؤ السّينما على تفكيكه بهذا القدر من الجرأة والتهكّم. ويكتمل تميّز الفيلم (La cerise sur le gâteau) في استحضاره روحًا كوميديّةً شابّة، غنيّة برسم الشّخصيّات والمواقف المُضحكة جدًا!


سينما الواقع 

النّصف الأوّل من الفيلم، ينطلق لقُرابة ساعةٍ من الوقت، بتصويرٍ يرتكز على الكاميرات الأماميّة لأجهزة الكمبيوتر أو الهواتف، نُتابع فيه التّحضير لمشروع فيلم "بورنو" لبناني مع الشّباب الخمسة. يُذكّرنا هذا القسم من الفيلم، بالتّحضير لأحد الامتحانات أو المشاريع المدرسيّة التي كانت تجري كلّها أيّام كورونا عبر اللقاءات الرّقميّة. لذا اعتمدت المُخرجة كارولين لبكي ببراعة، عبر العدسة الدقيقة للمُصوّر فادي قاسم، أسلوبًا مُغايرًا من التّصوير، المُسمّى "Screenlife or Computer Screen Film". وهو شكلٌ من أشكال السرّد القصصيّ البصريّ حيث تُعرض الأحداث بالكامل على شاشة الكمبيوتر أو الهاتف الذكي. وقد تزايد انتشار هذا النوع من التّصوير خلال السّنوات العشر الأخيرة، بسبب التّأثير المتزايد للإنترنت والأجهزة المحمولة. والجدير ذكره، أنّ مُعظم الأفلام المُصوّرة بهذه التقنيّة، هي من نوع الرّعب أو الدّراما المشحونة والمليئة بالغموض. من أنجحها على سبيل المثال، فيلما  "Searching" عام 2018، و "Missing" عام 2023، اللذان ننصح بمشاهدتهما. أمّا "BornStars" فنجح في اعتماد هذه التقنيّة لزيادة التّشويق عبر كاميرات "GoPro"، من دون العبث بروحيّة الفيلم الأساسيّة الكوميديّة.


أمّا في النّصف الثّاني للفيلم، عندما يخرج الشّباب من منازلهم لإكمال مراحل تصوير فيلمهم، فتخرج الصّورة معهم من العدسة الصّغيرة إلى عدسة الكاميرات السّينمائيّة الكبيرة. لنشهد في ذلك تحوّلًا من فكرةٍ ساذجةٍ الى مشروعٍ فعليّ يحمل في طيّاته أخطارًا لم تكن في حسبان فورة شباب الـ "Fortnite". ولتلك اللّعبة نصيبها من الفيلم، ضمن مَشاهد - مُفاجئة (Easter Eggs) لا نستطيع حرق تفاصيلها. وفي اعتماد أكثر من أسلوبٍ تصويري فذّ وغير مُكلف، يمنح الفيلم عبر جهود صانعيه (تحديدًا المُنتج اللّبناني - الأميركي شادي إيلي مطر) أملًا في نجاح هذه المُعادلة الذكيّة لغيرهم من الطّامحين، في سرد قصصٍ تُحاكي واقعهم!


حلم الفرسان الخمسة

منذ لحظة التّواصل الأوّل عبر نوافذ التّطبيقات الرّقميّة ("Skype" وغيرها)، نلحظ مدى نجاح كيمياء الصّداقة بين الأصدقاء الخمسة على اختلاف شخصيّاتهم. صاحب القصّة الأساسيّة والمُشارك في الكتابة، طوني إيلي كنعان، يلعب دَور "JD"، الشّاب الرومانسي الذي يبحث يائسًا عن وسيلة لتسديد قسط جامعته. فيما يؤدّي الممثّل زياد صليبا دور "علي" ابن العائلة الميسورة والذي يُطلق فكرة فيلم "البورنو" مُمازحًا. وفي أوّل دورٍ سينمائي له، ينتقل نور حجّار من خشبة الـ "stand-up comedy" إلى لعب شخصيّة "مازن"، صاحب الشهيّة المتواصلة والحماسة الصّبيانيّة. أمّا الممثل ذو الخبرة الأطول إيلي نجيم، فيلعب دور "سام" الجامح الصّاخب، صاحب محلّ المسلسلات والأفلام المُقرصنة. يُقابلهم من الجانب الأميركي، ريان لايا الذي يؤدّي دور "شاد" ممثّل عاطل عن العمل. من خلال هذه المجموعة الخُماسيّة من الأصدقاء، يُبنى شعور تدريجيّ في الاستثمار العاطفي لدى الجمهور، بحيث يشعر المُشاهد أنّه صديقهم السّادس، خاصةً بعد أن بدت أداءات الممثّلين الخمسة عفويّة جدًا، نتيجة تحضيراتٍ مُسبقة مُكثّفة ظهرت ثمارها بوضوح على الشّاشة. ولمساعدتهم في تنفيذ مشروعهم، نتعرَّف إلى شخصيّة السّيّدة المُثيرة "إيفا تانكيان"، التي تلعب دورها المُمثّلة العالميّة ياسمين المصري التي أثرت كعادتها الدّور الذي حملته بجاذبيّةٍ تلقائيّة.


لكنّ المُفاجأة الأصدم في الفيلم، تجلّت في شخصيّة "دموع"، السيّدة التي مثّلت في صباها فيلمًا إباحيًّا جعل منها ضحيّةً لبقيّة حياتها، وأدّت دورها بإبداع المُمثّلة سلمى شلبي التي تُضحكنا عادةً، لِتُدمعنا هذه المرَّة بمرارة أدائها الدّرامي الذي يوازن ويوازي ثقلًا نجاح البُعد الكوميدي للفيلم. هذا الوجه الثّاني لعُملة هذه المُغامرة الطّائشة، كان يستحقّ التعمُّق والتّطوير أكثر من تفاصيل أروقة الشّرطة الإلكترونيّة وأفرادها، خاصّةً أنَّ نهاية الفيلم تحمل عبارةً مكتوبةً، كافية لتلخيص المغزى بسلاسة.


بذلك، يُؤكّد فيلم "BornStars" أنّ في زمن الانقسامات السّياسيّة المُتزايدة والظّروف الاقتصاديّة الحرجة لبنانيًا وعالميًا، فرصة الضّحك معًا داخل صالة السّينما، تجمعنا أكثر من أي وقتٍ مضى!

يمكن مشاهدته ابتداءً من يوم غد الخميس 18 أيلول الجاري، في جميع صالات السّينما اللّبنانيّة.

ملصق الفيلم