لم تمرّ الذكرى الثالثة والأربعون لاغتيال الرئيس اللبناني المنتخب بشير الجميّل مرور الكرام هذا العام، بل بدت وكأنها مناسبة وطنية نادرة تخطّت الطابع الفولكلوري للذكرى، لتتحوّل إلى لحظة سياسية وشعبية عميقة لاستعراض خمسة عقود من المسار اللبناني المضطرب. في هذه الذكرى، استعاد اللبنانيون، وإن بتفاوت، صورة بشير الذي لم يكن مجرّد زعيم ماروني عابر، بل كان مشروعًا جمهوريًا حاول أن يعيد تشكيل لبنان وسط ركام الطائفية والاحتلالات والخيانات.
اللافت في هذه المناسبة أن الدولة اللبنانية نفسها، وبعد صمت طويل دام أكثر من أربعة عقود، قرّرت أخيرًا أن ترفع الصوت وتعلن موقفًا سياديًا، جاء على لسان رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، ورئيس مجلس الوزراء نواف سلام. كلمات رسمية وصريحة ذكّرت اللبنانيين بأن بشير الجميّل، الذي انتُخب رئيسًا شرعيًا بأصوات نوّاب الأمة في البرلمان، اغتيل على يد نظام حافظ الأسد، في جريمة لم تكن معزولة بل ضمن سلسلة ممنهجة من الاغتيالات السياسية التي لم تتوقف حتى يومنا هذا، من كمال جنبلاط والمفتي حسن خالد، إلى رينيه معوّض وجبران تويني ورفيق الحريري ولقمان سليم وغيرهم.
هذه الخطوة الرسميّة لم تكن تفصيلًا عابرًا، بل إشارة إلى تحوّل داخلي، ولو بطيء، لجهة مقاربة الدولة ذاكرتها السياسية. فالمسألة لم تعد تقتصر فقط على من كان مع سوريا ومن كان ضدها، أو من تعامل مع إسرائيل ومن لم يفعل، بل أصبحت مرتبطة بتحديد واضح لمن اغتال مشروع الدولة ومن استثمر في تفكيكها. اللبنانيون اليوم، وبشكل تدريجيّ، باتوا يتمتعون بمناعة وطنية ضد الابتزاز الأخلاقي والتخوين السياسي الذي طال لعقود كلّ من تجرّأ على التفكير خارج القوالب المعلّبة للصراعات الإقليمية.
فالذين اتّهموا بشير بالعمالة لإسرائيل خلال الحرب الأهلية، ارتضوا هم أنفسهم أن يكونوا أدوات صامتة أو صاخبة في خدمة مشروع نظام الأسد، أو لاحقًا مشروع "ولاية الفقيه"، بكلّ ما يندرج في إطار هذين المشروعين من سياسات التهجير، والتدمير، وتفكيك الدولة. والمفارقة أنّ هؤلاء، الذين نصّبوا أنفسهم أوصياء على الوطنية، انتهى بهم المطاف مهجّرين من قراهم، ملاحقين بلقمة عيشهم، أو مرتهنين لقرار خارجي لا صلة له بلبنان.
في ساحة ساسين، وضع خطاب النائب نديم الجميّل النقاط على الحروف؛ إذ أكّد أن بشير لم يكن قدّيسًا طائفيًا، بل رجل مشروع، حمل حلم الدولة القوية العادلة، وواجه في سبيل ذلك تحالفات أمراء الحرب في الداخل والخارج. إن العرض الموسيقي الذي تضمّن أرشيفًا صوتيًا لبشير، ذكّرنا جميعًا بخطابه السياسي المختلف، وبخياراته الجريئة، وبتلك اللحظة التي حاول فيها قلب المعادلة السياسية اللبنانية، ليس بالسلاح فقط بل من خلال العقول.
كان بشير من أوائل الذين رفضوا "الميثاق الوطني" بالشكل الذي طُبّق به، معتبرًا أنه تحوّل إلى صفقة توازنات هشة بين الطوائف، بدل أن يكون مدخلًا لتأسيس دولة مدنية حديثة. لقد رأى أن نظام 1943 أخفق في مواكبة التحوّلات الكبرى التي عصفت بلبنان، سواء الديموغرافية منها، أو الجغرافية، أو الإقليمية. فلبنان، الذي أُقحم بالقوّة في صراعٍ عربي – إسرائيلي طويل، دفع فيه أثمانًا غير متكافئة، كان يحتاج إلى عقد سياسي جديد، أكثر واقعية وصلابة.
ولكنّ الأهم، أن بشير لم يكن فقط جنرالًا في زمن الميليشيات، بل كان رجل مؤسّسات. إذ سعى إلى بناء دولة تملك قرارها السيادي، ومؤسّسات متينة، وجيشًا موحّدًا، وقضاء مستقلًا. ورغم كل الحملات التي طالته، لم يثبت عليه أنه تورّط في أي فساد مالي أو شخصي، على عكس كثيرين ممّن حكموا بعده وراكموا الثروات على أنقاض اللبنانيين.
إن استعادة لبنان عافيته لا يمكن أن تكتمل من دون معالجة مصدر هذا الانهيار، وهو غياب قرار الدولة السيادي، وهيمنة السلاح غير الشرعي على الحياة السياسية والدستورية. لذلك، فإن أي مشروع وطني جاد لا بدّ أن ينطلق من نزع السلاح غير الشرعي كمدخل لحوار وطني شامل، يضع على الطاولة رؤية مستقبلية واضحة للبنان ما بعد الطائف، في ضوء المتغيّرات الهائلة في الإقليم والعالم.
لقد أصبحت الجمهورية اللبنانية بصيغتها الحالية خارج الزمان والمكان، غير قادرة على التعامل مع التحدّيات السياسية والاقتصادية والديموغرافية المعقّدة. لا يمكن أن يبقى اللبنانيون أسرى نظامٍ طائفي متكلّس، ودستورٍ خضع للتجويف والتعطيل، ومعادلات قوّة مفروضة من الخارج.
لا يقتصر الحوار الوطني المطلوب فقط على لقاء رمزيّ بين القوى السياسية، بل نواته مشروع تأسيسي جديد يعيد تعريف العقد الوطني، وينقل لبنان من دولة الضعف والتبعية إلى دولة المواطنة الفاعلة، والمؤسّسات المنتجة، والسيادة الكاملة. يجب أن يُبنى هذا الحوار على قاعدة عدم وجود سلاح خارج إطار الدولة، وسحب الشرعية من أي سلاح يُستخدم لفرض الإرادات السياسية، وأن تكون سيادة لبنان متكاملة لا تتجزّأ وغير قابلة للمقايضة.
ولذلك، فإن الوسيلة الفضلى لتكريم بشير ليست في تقديسه، ولا في تحويله إلى رمز خاص بطائفة أو منطقة، بل في إعادة قراءة مشروعه من منظور سياسي عقلاني، والمضيّ قدمًا به نحو تطوير النظام السياسي اللبناني. المطلوب اليوم هو استنهاض وطني جديد، يعيد الاعتبار لفكرة السيادة، ويحصّن المؤسّسات، ويضع حدًا لتحريف الدستور بعد تحويله إلى وجهة نظر، يتلاعب بها من يشاء وساعة يشاء.
إنه لمن الضروري أيضًا العودة إلى جوهر خطاب بشير: دولة للجميع، لا دويلة ضمن الدولة؛ جيش واحد، لا جيوش رديفة؛ قضاء موحّد، لا قضاة تابعون؛ ووطن لا يقف على باب أحد. بشير الجميّل كان يعرف أنّ مشروعه لا يرضي الجميع، لكنه آمن أنّ التغيير الحقيقي لا يمر إلّا من خلال الاصطدام بمنظومة الفساد والتبعية؛ لذلك اغتيل.
بعد 43 عامًا، لا تزال المسيرة ناقصة، والواجب على من يرفعون رايته، أو يدّعون أنهم يرثون مشروعه، أن يحوّلوا الذكرى إلى التزام سياسي وعملي. بشير لم يكن لحظة عابرة في زمن الحرب، بل كان محاولة لبناء دولة في زمن التصدّع.
واليوم، لا يزال حلم الدولة معلّقًا، والوطن يترنّح بين المحاور. وحدها العودة إلى جذور المشروع السيادي، الذي بشّر به بشير، قادرة على إعادة الأمل بالعمل السياسي وليس بالنوستالجيا، بالإنجاز وليس بالتقديس.