تُطلّ رواية "غابة" للكاتب اللبناني سمير يوسف، كواحد من الأعمال التي تسعى إلى إعادة تعريف العلاقة المأزومة بين الإنسان وعالمه، في ظلّ هيمنة منطق السوق والتكنولوجيا. الرواية القصيرة الصادرة عن "دار نوفل - هاشيت أنطوان" في آب 2025، ليست فقط حكاية عن حريق في ورشة بناء بقرية فرنسية صغيرة، إنها بحث وجودي وجمالي في سؤال فحواه ما الذي يتبقى من الإنسان حين تُستأصل الغابة من حياته؟ يأتي النص في زمن معاصر لكن مشبع بروح كلاسيكية، إذ يستند إلى وقائع تشبه التحقيق الصحافي، ثمّ يتحوّل تدريجيًا إلى ملحمة رمزية عن الغضب والذاكرة والبحث عن الجمال. وهذا المزج بين الوثيقة والخيال يمنح العمل فرادته.
تبدأ الحكاية مع راوٍ صحافيّ يُكلَّف بتغطية خبر عن حريق إجرامي طال مشروعًا رقميًا ضخمًا (يشبه السيليكون فاليه) في قرية فرنسية جبلية تُسمّى "ميتسا". الراوي، وهو شاهد غريب عن المكان، يدخل القرية ليجمع شهادات سكّانها، فيجد نفسه أمام عالم متشابك من الأصوات والتجارب. بمرور الوقت، تتحوّل مهمّته من تقرير إخباري إلى رواية متعدّدة الأصوات، تزاوج بين السرد الموضوعي والاعترافات الشخصية.
هذا الاختيار البنائي ليس تفصيلًا ثانويًّا، بل جزءًا من رسالة الرواية. فالحقيقة لم تعد ملك الصحافة وحدها، ولا هي حكر على الوثائق الرسمية، إنما يمكن للفن أن يُعيد تشكيلها بمنظور أعمق وأكثر إنسانية.
مرايا التناقض الإنساني
أبرز ما يميز رواية "غابة"، شخصياتها التي تتجاوز كونها فاعلة في الأحداث، لتصبح مرايا لصراعات داخلية، تجسّد التناقضات النفسيّة والوجوديّة للإنسان المعاصر:
• توماس، رئيس البلدية، هو الشخصية المحوريّة. يظهر في البداية كرجل رومانسي، شاعر لم يكتب، ومثقف مثقل بخيباته. لكنه يتحوّل لاحقًا إلى رجل غاضب يقرّر إحراق المشروع الرقمي بأكمله. في شخصيته تتجسّد التناقضات، الحبّ الجارف للجمال مقابل العنف المدمِّر، الحلم مقابل الانتقام، الرغبة في المقاومة مقابل الانهزام النفسي.
• إيلينا، المرأة الذكيّة والجذابة، تمثل الوجه الآخر للرواية. هي صديقة توماس، لكنها أيضًا صوته الداخلي، تمنحه الإلهام وتطرح عليه الأسئلة الصعبة، تحمل شخصيتها مزيجًا من الغموض والقوّة، وتُجسّد صورة "المرأة - الضمير" التي تدفع الآخر إلى مواجهة ذاته.
• ماكس وبقيّة سكان القرية، يظهرون كأصوات خلفيّة. بعضهم يبيع الأرض طوعًا بحثًا عن الربح، وبعضهم يتمسّك بالهويّة. وهنا يكمن البعد الاجتماعي للعمل، حيث لم تعد القرية مكانًا جغرافيًّا فقط، بل أضحت صورة عن عالم ينقسم بين من يهرول وراء الحداثة الرقميّة ومن يتمسّك بما تبقى من الطبيعة.
الغابة رمز وذاكرة
اختيار عنوان الرواية: "غابة"، ليس بريئًا. الغابة هنا، أكثر من مسرح للأحداث. إنها رمز كونيّ. هي الطفولة الضائعة، والذاكرة الجماعية، والخيال البريّ الذي يحاول الإنسان أن يستعيده في مواجهة عالم بلا سحر.
حين يتحدّث "توماس" عن الغابة، فإنه لا يقصد الأشجار فحسب، بل يقصد "الجمال" الذي يختفي من حياتنا مع طغيان المنفعة. فكما تُستبدل الغابة بالمباني الأسمنتية، يُستبدل الجمال بالرّبح، والحنين بالشاشة، والسحر بالمعطيات. لذلك، فالحريق الذي يشعله "توماس" يتحوّل من فعل انتقاميّ إلى طقس تطهيريّ يذكّرنا بأن الطبيعة حين تُحاصَر، تنفجر.
من التكنولوجيا إلى الحنين
رواية سمير يوسف مشغولة بعدد من المحاور الفكريّة والرمزيّة، يمكن اختصارها في أربعة خطوط أساسيّة:
- الصراع بين التكنولوجيا والجمال: إذ يرى "توماس" أنّ الحداثة الرقمية تُدمّر روح الإنسان، الأغنية التي تُستبدل بالفونوغراف ليست أداة جديدة فقط، بل إنها علامة على اختفاء "الآلة الجميلة". هنا يَطرح النص سؤالًا عن الثمن الباهظ الذي ندفعه مقابل التطور.
- الحنين كوسيلةِ مقاوَمة: الرواية مشبعة بروح نوستالجيّة، ترى في العودة إلى الماضي شكلًا من أشكال المقاومة ضد "منطق السرعة" و "ثقافة التمرير".
- العنف كملاذٍ أخير: على الرغم من إيمان الشخصيّات بالنضال السّلمي، ينتهي الأمر بـ "توماس" إلى العنف. الرواية لا تُمجّد العنف، لكنها تعرضه كخيار مأزوم حين تُغلَق كلّ السبل.
- الحبّ والخَيبة: علاقة "توماس" بـ "إيلينا" تكشف هشاشة الإنسان حين يبحث عن معنى في الآخَر، وتُظهر أنّ الحبّ، مهما كان نقيًَّا، قد يتحوّل إلى صراع داخلي جديد.
بين الشِعر والفلسفة
تكمن قوّة الرواية قبل كلّ شيء في لغتها: هي لغة مشغولة بعناية، مشبعة بالنَفَس الشعري، لكنها أيضًا مُثقلة بالتأمّلات الفلسفية. يفيض النص بالصُّور التي تُحيل القارئ إلى عالم مرئي ومسموع: الثلج الذي يُخفي الجريمة، الأغنيات التي ترافق العزلة، والأشجار التي تتحوّل إلى رموز وجودية.
لكن هذه اللغة، على جمالها، قد تتحوّل أحيانًا إلى عبء: فالحوارات الداخلية الطويلة، خصوصًا لدى "توماس"، قد تُرهق القارئ وتُبطئ الإيقاع. وهنا يكمن التحدّي، كيف نحافظ على البعد الفلسفي دون أن نفقد زخم السَّرد؟
التميُّز في الرواية
تتألق رواية "غابة" بقدرتها على الجمع بين الحقيقة الصحافيّة والخيال الأدبي، ما يخلق نصًّا حيًّا يمزج بين الواقع الرمزي والسرد العاطفي. الشخصيّات الرئيسة، لا سيّما "توماس" و "إيلينا"، غنيّة بالتناقضات الداخلية، ما يجعل القارئ يعيش صراعاتها النفسية ويستشعر أبعادها الإنسانية. الرمزيّة العميقة في الرواية تمنح الأحداث معنى إضافيًّا: فالغابة، الحريق، والثلج ليست عناصر سرديّة فقط، بل تتحوّل إلى مرايا لصراعات الإنسان مع نفسه ومع عالمه. اللغة الشعرية المفعمة بالصور تمنح النص بعدًا جماليًّا مميّزًا، فتصبح القراءة تجربة حسيّة وفكريّة في آن.
التحدّيات
مع ذلك، يميل النص أحيانًا إلى الإسهاب الفلسفي، ما يجعله أقرب إلى مقالة فكريّة طويلة ويبطئ إيقاع السرد. الشخصيّات الثانوية تبدو أحيانًا سطحيّة، وكأنها رموز للأفكار السياسيّة أو الاقتصاديّة أكثر من كونها فاعلة إنسانيًّا. كما أنّ الحبكة، رغم ثرائها الرمزي، تحمل توقعًا مسبقًا لوقوع الحريق، فيصبح التشويق محصورًا في معرفة كيفية حصول الحدث، أكثر من كونه في المفاجأة نفسها.
ما يميّز "غابة" أيضًا، هو قدرتها على مساءلة القارئ مباشرة. ليست الرواية عن "توماس" أو عن قرية ميتسا فقط، بل عن كلّ قارئ يجد نفسه محاصرًا بين شاشة مضيئة وغابة تتلاشى. يفتح النص مساحة للتفكير في سؤال الهويّة الجماعيّة، وفي معنى أن تكون إنسانًا في عصر يُختزل فيه الوجود في بيانات. فالقارئ يشارك في تجربة داخلية تشبه الاعتراف، حيث الغضب والنوستالجيا والحنين إلى الطبيعة ليست مشاعر الشخصيات وحدها، بل هي مرآة لمخاوفنا اليومية. هنا تكمن قوّة الرواية، أنها لا تقدّم حلًّا، بل تعرّي هشاشتنا أمام اختفاء الجمال.
رواية ضد النسيان
"غابة" الكاتب سمير يوسف، ليست حكاية محليّة عن قرية وفرنسا وحرائقها، بل هي مرآة لقلقنا جميعًا في زمن السرعة والشاشات. ففي رمزيّة الغابة والثلج والحريق، يوقظ يوسف فينا السؤال الأصعب: هل نملك الشجاعة للبحث عن غابتنا الداخليّة قبل أن تلتهمها نار أخرى؟ إنها رواية ضد النسيان، وضد موت الجمال.
الكاتب في سطور سمير يوسف كاتب وصحافي لبناني، من مواليد عكار عام 1985. يكتب بالفرنسيّة والعربيّة. فازت روايته الأولى "حروق الثلج" (2016) بمنحة "آفاق" ضمن برنامج "آفاق لكتابة الرواية". "غابة" هي روايته الثانية. أما فيلمه القصير "بروكسل – بيروت" الذي أخرجه بالشراكة مع تيبو وولفارت، فحاز جوائز متعدّدة في أوروبا، واختير ضمن أفضل أربعة أفلامٍ قصيرة في مهرجان "Les Magritte du Cinéma" ببلجيكا في العام 2020. |