وائل خير

خطاب الرئيس في الأمم المتحدة

4 دقائق للقراءة

 حدثان يتفاوتان بالدلالة يستوقفانا. خطاب الرئيس جوزف عون في الامم المتحدة واشكال صخرة الروشة ومفاعيلها المستمرة..

نكتفي بتعليق سريع على خطاب الرئيس جوزف عون اذ مفاعيل احتفال الروشة، وهو الانتصار الاول بعد23 شهرا من هزائم ماحقة لحزب الله ما تزال تتفاعل.

استعاد خطاب الرئيس احدى ابهى انجازات لبنان، دوره في اعداد الاعلان العالمي لحقوق الانسان، ويبقى محل ثناء ان معدي الخطاب اثبتوا اطلاعا على محاضر اعداد وثيقة حقوق الانسان اذ اقتطفوا ردا لمندوب لبنان، الدكتور شارل مالك، ربما كان من أعمق اقواله، اذ وضع "الحقيقة" في منزلة تسمو على كل اعتبار.

لكن المفارقة ان الخطاب لم يلتزم باي من الحدين. لا بحقوق الانسان ولا بالحقيقة.

يبدأ الرئيس خطابه باستعادة قول الدكتور مالك معلقا على السيدة اليانور روزفلت في احدى جلسات اعداد وثيقة حقوق الانسان "لا يهمني ان اكون في اطار الاكثرية او الاقلية. رغبتي ان اكون في اطار الحقيقة فقط."

الفقرات اللاحقة في كلمة عون حول خصائص لبنان وعظيم قدره تخالف حقوق الانسان. الاعلان، وثيقة ذات مقدمة و30 مادة، كان بها افتتاح عهد جديد اسقط عنه كل القيم التي تبنتها البشرية قبله، اذوللمرة الاولى دخل في القانون الدولي مفهوم "المساواة الانسانية" واشار الى مصدر حقوق الانسان، كل انسان. بدلا من تفاوت مكانة الشعوب عبر التاريخ والتي بلغت ذروتها ب"الداروينية الاجتماعية " التي التزمت "صراع البقاء والبقاء للافضل." مفسحة لشتى اشكال التفاضل، العرقي او الثقافي او الحضاري او الدينين تنسب الفقرة الاولي من الاعلان، وهي درّة التاج فيه، حقوق الانسان "الى الكرامة الاصيلة في جميع اعضاء الاسرة البشرية وبحقوقهم المتساوية الثابتة." بهذا السرد ما يغني المنادي بحقوق الانسان عن تعداد صفات للبنان والعيش المشترك ونداء البابا حول "لبنان ليس وطن انه رسالة." وهي جميعا اوهام لا نجد في تاريخ لبنان الا ما يثبت نقيضها. قيمة اعلان حقوق الانسان انها للمرة الاولى في سجل الانسانية نقف على نص قانوني شامل يعدد حقوق الانسان ويعود بها جميعا الى "كرامة اصيلة" (اي في اصل) كل انسان، الى وجوده كانسان.

لكن خطاب الرئيس عون ينحرف بعد هذه المقدمة الى ما يناقض حقوق الانسان بسرد لائحة طويلة من اوصاف لبنان وانجازات اللبنانيين المأخذ عليها ليس ضعف سندها فقط، بل، وهو الاهم، انها،حتى لو صحّت، لخالفت اساس حقوق الانسان اذ تخرج به عن "كرامة اصيلة" الى ما يدخل في صميم "الداروينية الاجتماعية" التي تنادي ب"صراع البقاء والبقاء للافضل" وتميّز بين البشر وتجعلهم طبقات للطبقة العليا، سواء عرقية ام ثقافية ام دينية، حقوقا تتفوق بها على "الشعوب المنحطة" وتجيز حتى استئصالها.

ثم ان "العيش المشترك" الذي استفاض الرئيس بسرده ما هو الا اسطورة لا يتبناها اي مطلع على ديناميكية لبنان اذ لا يخفى على دارس لبنان ان مأساته هي بالتحديد تجاور شعوب لا يكاد يجمع شيء بينها، تظهر عكس ما تبطن، ولا تتردد في تعبئة الخارج لنصرتها على اعداء الداخل. مثال لهذا التفاوت بين سردية اللبنانيين وقناعة العارفين بضعفها انه في العقد الاول من حرب لبنان عقدت ندوة في لندن اعتلى منبرها صحفيان بريطانيان يغطيان الشرق الاوسط، وطبيب لبناني له اطلالات اعلامية. افتتح الطبيب الندوة بالتغني بالعيش المشترك في لبنان . لم يتمالك البريطانيان، رغم ضوابط الأدب من مقاطعته صارخين:"احترم عقولنا.كيف يكون لبنان قدوة عيش مشترك فيما الكل يعلم ان لا عدو للبناني ألدّ من اللبناني الآخر."

لم يكتف خطاب الرئيس في المحفل الدولي بمخالفة اساس حقوق الانسان المنبثق من "الكرامة الاصيلة في جميع اعضاء الاسرة البشرية." القسم المتعلق باوضاع لبنان لم "يكن في اطار الحقيقة." ذلك ان الخطاب تزامن مع اول انتصار لحزب الله وايران وراءه في اشكال صخرة الروشة،, بعد 23 شهرا من هزائم كارثية متلاحقة حلت بايران وامتداداتها في المنطقة ومن بينها حزب الله اذ استأصلت اسرائيل ما يكاد يكون جميع قيادات حزب الله ومعظم مقاتليه. هزيمة كان من آثارها انتخاب رئيس سيادي للبنان بعد عقود من رؤساء ذوي ولاءات مطلقة لقوى اقليمية.

من آثار عدم الحاق هزيمة ساحقة بحزب الله اثره في خطاب الرئيس وبالتحديد في جزءه المتعلق بالخطط المستقبلية لاعادة نهوض لبنان، اذ اسقط كل اشارة للعنصر الاساس في نكبة لبنان حيث خلا الخطاب من اي ذكر لحزب الله اودوره فاسقط في نهاية كلمته ما ابتدأ بها بالتزام الحقيقة التي دافع عنها شارل مالك طيلة مسيرته.