"النزوة" لِروي حرب: علاقات إنسانيّة معقدة

7 دقائق للقراءة

بعد "قصّة عُمر" (2011) و"نسمات الحنين" (2014) و"مبنى الأحلام" (2017)، صدرت أخيرًا الرواية الرابعة للكاتب الدكتور روي حرب بعنوان "النزوة" عن "دار زمكان". في روايته الجديدة، يلج حرب من خلال شخصيّاتها إلى عمق العلاقات الإنسانيّة المعقّدة أحيانًا، ويتطرّق في أحداثها إلى الظلم وتراجع القيم الأخلاقيّة، كما إلى الفساد المستشري في المجتمع والذي قد تنجم عنه تجاوزات وجرائم. "النزوة" التي تتزامن أحداثها و "ثورة 17 تشرين" في لبنان (2019)، ولئن كانت تفاصيل الرواية وشخصياتها من خيال المؤلّف ولا تمتّ إلى الحقيقة بِصِلة، إلا أنها ليست بعيدة عن الواقع الذي قد تتبدّل فيه الأسماء والتفاصيل من غير أن يعني ذلك أنه غير قابل للحدوث. تنشر لكم "نداء الوطن" جزءًا من الفصل الأخير من الرواية.

كانت تتكلّم وتبكي وتعضّ شفتها السفلى، وتشدّ على رجلَيها، تريد الهروب من مكتب عدنان، من المستشفى، من الحقيقة، من الحياة... هي تختنق، لا بل تُسرق منها أنفاسها. إنّ نظرة الشفقة في عينَي عدنان تكاد تقتلها.

- رشا... أنا آسف....

تحجّرت الدمعة في مقلتَيها... توقفت الكرة الأرضية عن الدوران... صمتت روحها ... ثم حدّقت في عينَي عدنان وثقبت روحه. هو لا يزال جاثيًا بالقرب منها.

- قل إنه بخير... قل إنه لا يزال حيًّا ... هو لا يزال بيننا أليس كذلك؟ أرجوك عدنان أجبني!

أمسكَت بيدَي الطبيب، وانحنت تقبّلهما وتتوسّله ليُعيد لها ابنها.

هزّ عدنان برأسه، وضغط على نفسه كثيرًا قبل أن يقول لها "سامحيني رشا... لم أستطع منعه من الرحيل... لقد ذهب... لم يعد ماجد بيننا... رفض جسمه القلب الغريب... سامحيني، وثقي أنه في مكان أفضل الآن!".

رجّت صرخات رشا جدران المستشفى... لقد بكت رشا، وأبكت الصخر على حالها... ركضت في الممرّات تنادي باسم ابنها، تصرخ "ماجد قم! لقد أتت والدتك إليك، أتيت لأنقذك يا صغيري!".

تبكي... تصرخ... تضحك... تنادي... تلطم... تشد شعرها... إلى أن فقدت ما بقي من رشدها، فتحجّرت عيناها، وتلوّثت بسمتها بالاصفرار، وراحت ترى ماجد في كلّ الوجوه التي تقابلها، من أطباء ومرضى وممرّضين. تحضنهم وتبكي بحرقة وبصوت متقطّع قائلةً "اشتقتلّك يا ماما... اشتقتلَّك!".

تخلّت رشا عن عقلها لتهرب من واقع حلوه مرّ...

تخلّت عن أناقتها... عن ثقافتها... عن مركزها الاجتماعي... فماذا يفيد الإنسان إن ربح العالم كلّه وفقدَ فلذة كبده؟

ماتت سيّدة الأقنعة، وعاشت الطفلة البريئة، الرافضة للحقيقة في جسد المرأة المثقل بالهموم...

كثيرة هى المشاكل، وقليل هو الإيمان... كبيرة هي الصعاب، وقليل هو الإدراك... عظيمة هي المآسي، وضئيل هو الأمل...

لم تستطع رشا تحمُّل كل ما جرى لها في الأشهر الماضية. لقد خسرت صورتها البرّاقة، وخسرت منزلها العائليّ، وخسرت رهانها على صحّة ابنتها التي صارت مقعدة، قتلت زوجها لتنقذ قلب ابنها، لكنها خسرته...

"نجّنا من الأعظم!"، كانت تردّد جدّتها عند كلّ مصيبة، والأعظم بالنسبة إليها كان أن تفقد عقلها. لم تستطع رشا أن تتحمّل أكثر، فقدت رشدها وتخلّت طائعة عن عقلها . خرجت من باب المستشفى، بعيد منتصف الليل، بمنظر مريب، باكية، حافية القدمَين، شعرها أشعث، تختلط انفعالات متضاربة على وجهها، من بكاء وضحك وألم وهستيريا، وتمتزج في داخلها مشاعر غريبة، قويّة قوّة الحقد، وحنونة حنوّ قلب الأم، وبريئة براءة فكر الأطفال.

خرجت راكضة لاهثة من باب المستشفى الذي صار قبرًا لها، فاصطدمت بالثوار ينظّمون اعتصامًا رافضًا لسياسة المستشفى، ولكلّ ما جرى بين أروقتها من سرقة أعضاء وإرهاب فكريّ وجسديّ.

"سأخبركم بكلّ شيء"، صاحت رشا وصودف وجود مراسلي قنوات التلفزة المحليّة الذين نقلوا حرقتها مباشرة على الهواء... "لقد قتلتُه... نعم قتلتُ فؤاد... أتعرفون لماذا؟ لأنه أذاقني الذلّ والإهانة على مدى سنوات طويلة... قتلتُه لا لأنني مجرمة، بل لأهب ابني الحياة التي يستحق، أردتُ لابني أن يرث شيئًا من والده الذي طالما رفضه... حرمني الحب وحرم ابنه العطف... قتلتُه لأنه قتل حبيبي ووزع أعضاءه وقبض ثمنها... قتلتُ فؤاد خليفة لأنه دمّرني وسلبني عمري... قتلتُه لأنه كان يقتل الأمل في كلّ شخص فيكم من أجل حفنة من المال... قتلتُه لأنتقم لكم، ولي، ولكل ضحية ماتت على يده... قتلتُ فؤاد خليفة... الأسطورة الطبية... المجرم الأكبر... وقتلتُ ابني لأنه رفض قلب أبيه... لم يحبّه يومًا، ولم يحتمل قلبه في جسمه البريء... أنا مجرمة، اعتقلوني... هيّا... ماذا تنتظرون؟!" .

ساد صمت مهيب بين مجموعة الثوار... أشفقوا على سيّدة الأناقة والاتزان حين رأوا حالها وقد تدهورت حدّ الهاوية. أشفقوا على مأساتها وهي قد شابهت حالهم...

اعترفت بكلّ ما تعرف... فضحت الكثير...

اختبأ عدنان في مكتبه، وتابع كلّ ما يحصل عبر كاميرات المراقبة ومحطات التلفزة، وما هي إلّا دقائق حتى وصلت التعزيزات الأمنية لتمنع الثوار من اقتحام المبنى.

سلّمت رشا نفسها للقوى الأمنية، وكانت الساعة قد قاربت الفجر، حاول عدنان التسلل من الباب الخلفي للمستشفى، لكن مجموعة الثوار منعته، فأُلقي القبض عليه واقتيد إلى التحقيق، فالمحاكمة.

غطّ ماجد قرير العين في سباته العميق، واستحق الحياة الأبدية. أما علاء فقد حمل ملفّاته ومستنداته، وتوجّه بزيارة خاطفة إلى العاصمة اللبنانيّة لينشر ما لديه في القضاء أوّلًا، وبعدها عبر الوسائل الإعلاميّة محذِّرًا من مغبّة خداع أصحاب البزات الأنيقة والصيت البرّاق، كاشفًا حقائق عديدة بما توصّل إليه من تحقيق مستندًا إلى مذكّرات لمياء والوثائق التي استحصل عليها وتحقيقاته الخاصة. عاد إلى مصر بعد فترة وجيزة ونشر مقالات عديدة عن الموضوع تحت اسم "القائد رائد" وكانت قد شهدت القاهرة والمنصورة حالات مشابهة لما شهدته بيروت من سرقة أعضاء بشرية ومتاجَرة بها، وكان قد كتب على صفحته الخاصّة "آسف أن تسطّر نهاية الإجرام، هذه المرّة، نهاية عائلة لبنانية عريقة، أحببتُها!".

إنه عيد الميلاد، عيد المحبّة والتسامح. وعلى الرغم من أنّ العيد قد غاب عن بيروت هذه السنة بسبب الانهيار الاقتصادي الذي تشهده البلاد، والضائقة المادية غير المسبوقة في التاريخ الحديث، إلا أنّ صوفيا أبت أن يمرّ العيد من غير أن ترى والدتها.

توجّهت إلى عرمون مع صديقها الفرنسيّ، هناك حيث الأشجار والطبيعة الغنّاء والهدوء، تتلقى السيّدة رشا علاجها النفسيّ في مستشفى الأمراض العقليّة والنفسيّة. بكت صوفيا حين رأت ما آلت إليه حال سيّدتها ووالدتها، لكن يد حبيبها خفّفت عليها حدّة الموقف.

"انظري إلى نفسك يا ابنتي... تبدين كسيّدة في الخمسين من العمر... لماذا تهملين نفسك هكذا؟ أنت ابنة رشا سرسق وحفيدة السراسقة البيروتيّين"، قالت رشا بنبرتها المتكبّرة التي طالما أغاظت صوفيا، لكنها اليوم أبكتها وأثارت الشفقة في قلبها.

- آه يا أمّي لو تدرين...

- ماذا ؟

- لقد اشتقتُ إليك كثيرًا، أنا أحبّك كثيرًا...

- وأنا أيضًا أحبّك يا عمري، وأريدك أنيقة كوالدتك...

حضنت رشا صوفيا، وقبّلتها بحرارة ومحبّة صادقة ، كما لم تفعل يومًا.

في طريقها إلى المدافن لزيارة قبر والدها وشقيقها، قالت صوفيا لحبيبها، "هل كان لزامًا عليها أن تعيش كلّ هذه المأساة لتشعرَني بدفء الأمومة؟".

أمام قبر والدها نثرت بعض الورود البيضاء، وتمتمت قائلةً "لقد تحرّرتُ منك... صارت طليقة كعصفور هرب من الزمن... وأنت؟ هل تحرّرتَ حيث أنت، من عبوديّة الأنا، يا والدي؟".

ثمّ اقتربت من قبر ماجد حيث انهارت باكية على شاب حمل أحلامه ومشى إلى حيث اللاعودة، حيث الأزرق قد غاب وتكسّر على شرفة عمر كاذب...

"للأحلام تتمّة يا أخي!"...

قالت بغصّة ونظرَت إلى حبيبها الذي جثا أمامها وقدم لها خاتم الخطوبة. "هنا تنال رضا عائلتك"، قال لها وقبّلها على جبينها فشعرت أنّ الحياة قد عادت تجري في شرايينها.

تزوّجت صوفيا وعاشت في فرنسا، وبعد مرور عام على المأساة افتتحت ندى الحاج معرض لوحاتها في قصر سرسق، حيث حضرت صوفيا الحفل، وأهدت ندى النجاح إلى روح رشا سرسق، صديقة عمرها، وشريكة ألمها، التي تعيش اليوم حرّة من كلّ قيد، بريئة من كلّ قناع، ومنزّهة عن كل نزوة...


* يُطلق الكاتب روي حرب روايته "النزوة" في حفل يرعاه وزير الإعلام بول مرقص، الساعة 6:00 مساء الجمعة 10 تشرين الأول 2025، في "القصر البلدي" - الحازميّة.