جويل غسطين

مسرحيّة لألكسندر نجّار ولينا أبيض

التاريخ يُعيد نفسه في "Mensonge Blanc"

6 دقائق للقراءة

في بلد تتداخل فيه الذاكرة مع الحاضر، وتتحوّل الحرب إلى ظلّ دائمٍ يسكن التفاصيل، تبرز مسرحية "Mensonge Balanc" (كذبة بيضا) كفعلٍ إنسانيّ يواجه ولا يهادن. المسرحية المستمرّة عروضها في "مسرح المونو" - الأشرفية، لا تُختصَر حكايتها في شاب ينجرف إلى القتال في الحرب الأهلية من دون موافقة والدَيه، بل تتجاوز هذه القصة الفردية لتغوص في طبقات أعمق من الواقع اللبناني.


تحاول مسرحية "Mensonge Blanc" التي تُقدَّم بالفرنسيّة والعربية مع ترجمة، تفكيك ذاكرة جماعية مثقلة بالحروب، حيث لا تبدو المأساة حدثًا عابرًا من الماضي، بل مسارًا مستمرًا يتكرّر بأشكال مختلفة، من الحرب الأهلية إلى الأزمات والصراعات والحروب الصغيرة التي تتجدّد عامًا بعد آخر.

بقلم ألكسندر نجار وإخراج لينا أبيض، يغوص هذا العرض في عمق العلاقات الإنسانية حين تُوضَع تحت أقسى الاختبارات، حيث تنقلب القرارات البسيطة إلى مصائر حاسمة، وتغدو حماية من نحب عبئًا مثقلًا بالألم والتناقض.

ويحمل العمل المسرحيّ نبضًا تمثيليًّا غنيًّا إذ يضمّ نخبة من الأسماء: جو أبي عاد، جلال الشعّار، غاييل عيلة، علي بليبل، جوزيان بولس، علي فرحات، جوانا خلف، جاك مارون، أنطوني توما، ومايا يمّين، في توليفة فنية تعكس تعدّد الرؤى وتلاقي التجارب.


مقاومة ثقافية

تداعيات الحرب الحالية انعكست مباشرةً على مسار عرض المسرحية التي انطلقت خلال الأسبوع الأول من شهر آذار الجاري، إذ يجرى تحديد تقديمها وفق تواريخ يُعلَن عنها تباعًا استجابةً للظروف الأمنية وضغط الواقع. والمواعيد القريبة المرتقبة اليوم الجمعة الساعة 7:30 مساءً، وغدًا وبعده، السبت والأحد، الساعة 5:00 عصرًا. فرغم كلّ ما يجري في لبنان، رفض القيّمون على المسرحيّة أن تُطفأ هذه التجربة بالكامل، متمسّكين بحقها في الاستمرار حتى تحت القصف، بوصفها فعلًا حيًّا من أفعال المقاومة الثقافية، وفي محاولة للإبقاء على صوت المسرح حاضرًا رغم كل شيء.


فرصة مختلفة

وتأتي مسرحية "Mensonge Blanc" لتُدخل الفنان أنطوني توما عالم التمثيل المسرحيّ، بعد اعتذاره سابقًا عن عرضٍ قدّمته له مديرة "مسرح المونو" المنتِجة والممثلة جوزيان بولس لانشغاله بمشاريعه الموسيقيّة. لكن بابه عاد ليُطرق مجدَّدًا، هذه المرّة عبر اتصالٍ من الكاتب ألكسندر نجار حاملاً لِتوما فرصة مختلفة، فكان التعاون انطلاقًا من اقتناع واضح بملاءمته للدَّور الذي يمتاز بثقل نص الكاتب وعمقه.

يقول توما في حديث مع "نداء الوطن" إنه دخل في مرحلة التعمّق في الشخصية التي يؤدّيها ("جينو" الشاب العشريني تتنازعه الهجرة أو القتال)، ساعيًا إلى بنائها من الداخل عبر مزج الخيال بالملاحظة الواقعية. ورغم افتقاره إلى خبرة احترافية سابقة في التمثيل على خشبة المسرح، تعامل توما مع الدَّور بوصفه فرصة للتعلّم، مستندًا إلى تجاربه المحدودة في التمثيل الجامعيّ والمدرسيّ، ومنفتحًا في الوقت نفسه على توجيهات فريق العمل، بخاصةٍ المخرجة لينا أبيض.

الاستعداد للدَّور، لم يقتصر على القراءة فحسب، بل امتد إلى البحث في خلفيات الحرب الأهلية اللبنانية مع التركيز على البُعد الإنساني، يقول توما الذي ابتكر ملامح شخصية متخيَّلة مستوحاة من أشخاص حقيقيّين عرفهم في مراحل سابقة من حياته، ما أضفى على أدائه طابعًا واقعيًا قريبًا من الناس.

ويصف أنطوني توما تجربته بأنها مزيج من القسوة والجمال، إذ ترافقت التحضيرات مع تصاعد التوترات الأمنية في لبنان، ما انعكس ضغطًا نفسيًا على فريق العمل. رغم ذلك، تحوّلت الخشبة إلى مساحة تنفيس ومواجهة، حيث تداخلت مشاهد الحرب في النص مع الواقع اليومي، فبدت المسرحيّة كمرآة لِما يحدث خارجها.


اختبار للاحتمال

الممثلة مايا يمّين تقدّم من جهتها في مسرحية "Mensonge Blanc" شخصية والدة "جينو"، المنتمية إلى عائلة أرستقراطية تعيش تحت وطأة الحرب الأهلية، حيث يصبح همُّها الأساسيّ حماية ابنها من الانزلاق في دوامة العنف والمشاركة في الحرب الدائرة، حتى لو كان الثمن إخراجه من البلاد.

تقول يمّين لـ "نداء الوطن" إن قبولها الانضمام إلى هذه التجربة، جاء من منطلق رغبتها بخوض تجربة مسرحية باللغة الفرنسية، لا سيّما ضمن فريق عمل متنوّع يجمع بين رؤى إخراجية وكتابية وتمثيلية مختلفة. وفي موازاة ذلك، يبرز التزامها بالمسرح كفعل ثقافيّ مقاوم، في زمن تتزايد فيه الضغوط التي تهدّد حضور الفن وتدفع نحو تسطيح الثقافة، وكأن الأمر مساحة دفاع عن هوية المجتمع حيث تبقى الفنون مرآة حقيقية لحضارة الشعوب، بعيدًا من صخب السياسة وضجيج الحروب. ورغم الظروف المحيطة، ترى يمّين أن الممثل مدعوّ إلى الانفصال عن واقعه عند اعتلاء خشبة المسرح، حتى في ظلّ الحروب العامة أو تلك "الخاصة" التي قد يعيشها في حياته الشخصية. هذا الانفصال بالنسبة لها لا يُلغي الألم، بل يُعيد صياغته ضمن فعل إبداعيّ يجعل من المسرح مساحة موقتة للهروب من القسوة اليوميّة. وفي هذا التوازن الدقيق بين الواقع والدَّور، تكشف يمّين عن إيمانها العميق بأنّ التمثيل ليس مجرّد مهنة، بل اختبار دائم للقدرة على الاحتمال، وإعادة إنتاج الحياة فوق الخشبة، مهما اشتدّت العواصف خارجها.


مصالحة مع الماضي

أما جوزيان بولس المشارِكة ثمثيلًا في هذه المسرحيّة، فتؤدّي شخصية "ريموند بولس" الصحافية اليسارية الثائرة، التي تعيش مواجهة دائمة مع شقيقها الساعي إلى إبعاد ابنه عن الحرب. هذا الصراع الأُسريّ يعكس انقسامًا أوسع في المجتمع اللبناني، حيث لا تزال آثار الحرب الأهلية اللبنانية حاضرة من دون معالجة حقيقية لذاكرتها.

بولس رأت في حديثها مع "نداء الوطن" أنّ أهمية "Mensonge Blanc" تكمن في إعادة فتح هذا الملف، خاصة في ظلّ غياب مصالحة مع الماضي. ورغم الظروف الصعبة والتأجيلات، يواصل الفريق تقديم العرض كفعل "مقاومة ثقافية" يمنح الناس لحظات للتنفس والتلاقي، ولتذكيرهم بأنّ إنسانيّتهم ما زالت حاضرة رغم كل شيء.


شهادة حيّة

لا تُختَصر إذًا مسرحيّة "Mensonge Blanc" (كذبة بيضا) بكونها عرضًا مسرحيًّا عابرًا، فهي تتجاوز الخشبة لتتحوّل شهادة حيّة لقدرة الفن على الصمود، حتى في أكثر اللحظات هشاشة. فحين تعجز السياسة عن لملمة الجراح، يبقى المسرح مساحةً لقول ما لا يُقال، ولفتح نافذة صغيرة نحو مجتمع لا يزال يقاوم ليعيش الحياة بأبسط مقوّماتها، رغم كل شيء.



ملصق المسرحية