المحامي محمد آصف ناصر

محنة المواطنة... الفصل السابع المواطن

5 دقائق للقراءة

في مسرحية "لولا فسحة الامل" لزياد الرحباني، ترى المواطن العادي شخصية منبوذة ضعيفة، فيما المواطنون الآخرون الاكسترا بفستق يجولون ببطاقة "عارف حالك مع مين عم تحكي"، في بلادي بطاقة تسهيل المرور وتجاوز القانون والقفز فوق الشرعية أهم من المواطنة.

هذا المشهد منعدم الوجود في دبي التي وصلتها في 4/11/2008، خلال حمأة الأيام المجيدة وآثارها على مدينتي. هناك بدأت مسارًا مفاجئًا، لم أكن كما توهمت أحمل معي المدنية، واكتشفت فيها أنني لست قدموس يمخر عباب التصحر، هناك في مركز دبي المالي العالمي شاهدت لبناني في المراكز القيادية أما بلادي فتغرق في مستنقع "الأنا". هناك فهمت معنى المواطنة وقيمتها وحقوقها، فلا فضل لقبيلة على أخرى وصفة "مواطن" هي الشرف الأعلى. عندما استشهدت ثلة من شباب المواطنين، قال والد الشهيد لابنه الحيّ "ارفع العلم". الوطن الذي يحفظ المواطن يحفظه المواطن، ولا يحفظ الوطن إلا سلطان القانون.

في المقابل، في بلادي، رغم التضحيات الجسام التي قدمتها بيئة الصمود في الجنوب والبقاع، والفاتورة الباهظة التي سددها الوطن اللبناني، يصمم المكتب السياسي في :حزب الله" أن يزج بالناشئة في المدينة الرياضية لمواجهة الشرعية الدستورية اللبنانية، فيما يُبرَم اتفاق شرم الشيخ، وتُوقّع حماس على نهايتها. مشهد ذكرني بغوبلز وهو يقلد الطفل ويلهيم هيوبنر وسام الحرب أثناء انعقاد مؤتمر يالطا.

في الــــ2010 دُعيت إلى عشاء في فيرمونت الشيخ زايد على شرف مواطن علوي سوري بفستق زيادة وأقبل معه حاشية من المواطنين السوريين بفستق حلبي ودمشقي لم أرَ بينهم علويًا واحدًا ممن يُذبحون اليوم ويُخطف أطفالهم، يُرَوَعون وتسبى نساؤهم وتسرق أرزاقهم.  

سأل المواطن "كيف يمكن أن تصبح دمشق كدبي"، فأجبته: "بسلطان القانون واستقلال القضاء، لأن وطن لا قضاء فيه لا استثمار فيه"، اهتاج الحضور و"فرطت القعدة". في العام 2013 قَتَلَ ابنُه عقيدًا أمام أطفاله في اللاذقية فقط لأن العقيد علوي وتجرأ أن يتجاوز سيارته الفارهة.

في الإمارات لم أشعر يومًا بوطأة هويتي الطائفية اما هنا في وطني فأشعر بها مع كل رشفة ماء، ويأتي مواطن بفستق، برتبة حج في "حزب الله" بزيارة لمجلس ديني علوي تقمَّص رئيسه فجأة شخصية المواطن العادي في "بخصوص الكرامة والشعب العنيد"، وجالس زائره طائعًا مبتسمًا. بحثت في الوجه المبتسم عن ملامح الغيظ عندما يرسل إلي تهديدًا أو كلامًا نابيًا فلم أجد سوى حملاً وديعًا وملامح شخص رَضِيّ. لم أجد في طيات وجهه أي ظل من ظلال العبارات الشائنة التي وجهها إلى "نداء الوطن" احتجاجًا على تقرير نشره الإعلامي سامر زريق عن الظروف التي حالت دون توزير علوي.

لا أفهم كيف التقى دولة الرئيس سلام، وبعد سويعات معالي الوزير الأسبق، والقاسم المشترك بين اللقاءين الملامح الرضية. أما الحج فجلس بشكيمته وحاضر بحقوق "الطائفة العلوية":

تقصّد الحج أن يحذف عبارة الإسلامية من تعريف الطائفة، ومن ثم اعتمد الصفة الإسلامية عندما تحدث عن المجلس، فميَّز، وهو يقبض على حق منح فرانشايز "الإسلام"، ما بين العلويين والمسلمين العلويين المبتسمين برضى وتسليم عندما يقبل إليهم ليمنحهم بركات السماء.

تحدّث الحج عن حرمان العلويين من الحقوق السياسية فخيِّل إليّ أن الحج كان في المهجر عندما داس مكتبه السياسي على حقوق العلويين، واستلبوها، أو عندما عرقل عملية اصلاح المجلس الإسلامي العلوي، وتدخل شخصيًا في مسألة تسمية المشايخ العلويين، أو عندما تدخل في انتخابات المجلس الإسلامي العلوي بعد أن خسر حلفاؤه في انتخابات الهيئة العامة 20/0 أمام النخب العلوية. أَنَسِيَ الحج كيف حَرَم الطائفة العلوية من مركز مدير في الجامعة اللبنانية، وكيف حاول سلب مركز السفير؟

تحدّث الحج عن فوات فرصة التوزير في الحكومة الأخيرة:

يا حج كنتم تمسكون مفاصل الحكومات اللبنانية منذ العام 2011، وكنتم الحزب الأقوى ومعكم رئيس "جبل"، ومع ذلك لم يقترب العلويون من عتبة التوزير.

المتغير في العام 2025 أنكم لم تكونوا تمونون يا حج، وأن النائب العلوي خارج عن طاعة مكتبكم السياسي، وأن النخب العلوية سعت في مناورة سياسية قانونية لتوزير علوي ينسجم مع معايير الكفاءة التي وضعها العهد مع رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب، لكنكم تمكنتم بمنهجية "حليفنا أو لا أحد" أن تمنعوا تسجيل السابقة.  

كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون.

اخلع نعليك يا هذا عندما تزور أية بقعة علوية فلهذه البقعة من القداسة والفضل ما لا يستطيع أحد إيفائه إلى يوم القيامة.

طأطئ رأسك يا هذا وتكلم بأدب وأنت في الحضرة العلوية، فنحن أولي عزم وعزيمة حتى لو قُتِلنا وحُرِقنا ونُثِرنا في الهواء وفُعِل فينا ذلك ألف مرة، سنبقى عسكر النجف القليل، أما أنتم فجرعتموه نُغب التهمام أنفاسا، نحن من أمَرَنا بدخول التنور فدخلناه وأنتم من طلبتم الإقالة.


رغم الجراح والجثث المنثورة والبطون المبقورة والرؤوس المحزوزة، ورغم السبي والسلب والنهب، ورغم الخيانة والطعنات سنبقى نحن الثابتون، ونحن المواطنون المتمسكون بالمواطنة الحقة في هذا الشرق:

ففي العرينة ريحٌ ليس يقربهُ

بنو الثعالبِ غابَ الأسدُ أم حضروا


وفي الزرازير جُبن وهي طائرة

وفي البزاةِ شموخٌ وهي تحتضر


والعزمُ في الروحِ حقٌ ليس ينكره

عزمُ السواعد شاءَ الناسُ أم نكروا


فإن رأيتَ ضعيفاً سائداً فعلى

قوم إذا ما رأَوا أشباههم نفروا.