في وقت يمر فيه لبنان بأخطر مراحله السياسية والإقتصادية والإجتماعية، يطلّ علينا خطاب يُعيد إنتاج مفردات الحرب والإنقسام، ويختزل الدولة في منطق "الجبهة" و"الخندق"، كما ورد في بيان المفتي الجعفري الممتاز أحمد قبلان، الذي وضع أي تفاوض مباشر مع إسرائيل في خانة "تفجير البلد"، واعتبر الدولة متخلّية عن الجنوب والبقاع والضاحية، في وقت هي تُكافح فيه للبقاء على قيد الحياة وسط انهيار شامل استجرّه فريق المفتي.
إن خطورة هذا الخطاب لا تكمن في مضمونه الإنفعالي والتفجيري فحسب، بل في الرسائل السياسية التي يُوجهها إلى الداخل والخارج على السواء. فحين تُقدَّم الدولة وكأنها خصمٌ لجزء من أرضها وشعبها، وحين يُرسم الإنقسام وكأنه أمر واقع لا مفرّ منه، فإننا نكون أمام محاولة لإعادة صياغة مفهوم “الوطن” على أسس فئوية لا وطنية.
من المُعيب تصوير الجنوب وكأنه مُلك حصري لفريق سياسي بعينه، أو الإيحاء بأن حماية أرض لبنان لا تكون إلا من خلال جهة واحدة. الجنوب أرض لبنانية، والدولة هي المرجعية الوحيدة التي يجب أن تفرض سيادتها عليها، لا أي تنظيم أو حزب أو محور، شاء المفتي قبلان أم أبى، هذه حقيقة ثابتة. حماية لبنان لا يمكن أن تكون بقرار أحادي، ولا بالسلاح الموازي، ولا بميليشيات تستجر الويلات والحروب والمآسي، بل بمؤسسات شرعية واحدة وجيش وطني جامع.
أما التلويح بأن التفاوض المباشر مع إسرائيل «سيفجّر البلد»، فهو بحدّ ذاته تهديد مُبطّن بوضع السِلم الأهلي رهينة موقف سياسي. في الدول ذات السيادة، لا يحتكر أحد قرار الحرب أو السلم. التفاوض – إن حصل – يجب أن يكون قرار الدولة، لا خضوعاً، ولا إرضاءً ولا خوفاً لا من المفتي ولا مَن يمثّله، بل دفاعاً عن المصلحة الوطنية العليا التي تبقى فوق كل اعتبار، وفوق كل ضجيج وصخب، وأعلى من صيحات حناجر اعتادت الصراخ والعويل...
نعم، الحرب ليست قدراً. والمقاومة الحقيقية لا تكون بالخطابات التصعيدية أو تحويل الجنوب إلى ساحة اشتباك مفتوح، بل ببناء دولة قوية قادرة على فرض معادلاتها من موقع القوة والشرعية الدولية. أما الإصرار على إبقاء الجنوب خارج سلطة الدولة فهو ليس مقاومة… بل مزرعة تقودها إيران من حرب إلى حرب، وبالتالي تقويض الوطن والدولة.
لقد آن الأوان لفصل مفهوم "المقاومة المزيّفة" عن مشروع الهيمنة الداخلية. فالدولة ليست حزباً انتخابياً كما قال المفتي، لكنها أيضًا ليست جبهة حرب خاصة لفريق سياسي. الدولة هي مركز القرار والسلطة الوحيدة التي تعلو قراراتها ولا يُعلى عليها، وبالتالي السيادة واحدة لا تتجزأ بين مَن يدّعي المقاومة، التي اجتاحت بيروت، وبين الدولة.
لبنان لا يُحمى بالانقسام بل بالوحدة الوطنية، ولا يُبنى بالتهديد بل بالمؤسسات. وأخطر ما يواجهنا اليوم ليس فقط الأعمال العسكرية الإسرائيلية، بل أيضاً الخطابات التي تنشر الإنقسام وتربط مصير الوطن بأجندات إقليمية ثبت فشلها وسقوطها.
باختصار، مَن يُريد أن يحمي لبنان فليعمل على تقوية مؤسساته، لا على احتكار الوطنية بالخُطب والتهديد والصراخ.
أخيرًا، مَن يُنادي بوحدةِ السلمِ والمقاومة عليه أن يبدأ بنفسه، لأن الوحدة لا تُكتب على جدران الخطابات ولا خلف المنابر، ولا عبر بيانات سامة ومسمومة، بل تُبنَى بأفعالٍ تراكمية تحترم القانون وتحصّن السِلم الأهلي وتؤمّن مصالح كل اللبنانيين، وليس الطائفة والمذهب والمحور الذي تهاوى عند هبوب أول عاصفة... والسلام
رئيس دائرة الإعلام الداخلي وعضو المجلس المركزي في حزب "القوات اللبنانية"