د. بولا أبي حنا

هل تعلم يا صائب سلام؟ جربنا "لبنان الواحد"... ولم ينجح

4 دقائق للقراءة

في السابع عشر من نيسان عام 1961، ألقى الرئيس والزعيم الوطني صائب سلام محاضرته الشهيرة تحت عنوان "لبنان واحد لا لبنانان"، محاولًا أن يرسم ملامح وطنٍ يتوحّد بالانتماء لا بالانغلاق، وبالمواطنة لا بالطائفة. وقد جُمعت هذه المحاضرة لاحقًا في الكتاب التوثيقي عهد الندوة اللبنانية – Les Années Cénacle، الذي يجسّد فعلاً العصر الذهبي للثقافة اللبنانية، حين كان الفكر منبرًا للحوار، والصالونات الأدبية ملتقىً للأحرار، والمسرح نافذةً للوعي والتجديد.

يا صائب سلام، لو تعلم ماذا حلّ بذاك الوطن الذي دعوتَ إلى وحدته! حاولنا، صدّقنا الشعار، رددناه في المدارس والساحات، ورفعناه على المنابر. لكنّ الحقيقة في مكان آخر. لم ننجح في بناء "لبنان الواحد" الذي حلمت به. بل وُلدت من صلبه لبناناتٌ متنازعة، تتقاسمها الطوائف والمصالح، وتنهشها الزعامات في لعبة السلطة والنفوذ.

كنتَ تقول إنّ لبنان لا يقوم إلا على الوفاق، وإنّ لا غالب ولا مغلوب في وطن صغير كقلبه. غير أنّ ما جرى بعدك أثبت عكس ذلك: حروب متتالية، أزمات متوارثة، ومجتمع يتآكل من الداخل. من عام 1961 حتى اليوم، لم نعرف يومًا راحةً دائمة، بل عشنا على إيقاع الانهيارات، من حربٍ إلى حرب، ومن اتفاقٍ إلى آخر لا يصمد أكثر من عمره الورقي.

توالت النكبات: الحرب الأهلية، الاجتياحات، الاغتيالات، الانقسامات، الأزمات الاقتصادية، ثم الانهيار الكبير الذي جعل اللبنانيين غرباء في وطنهم. وكلّ ذلك لأنّ النظام السياسي الذي حذّر منه المفكرون، من شارل مالك إلى ميشال شيحا، بقي على حاله: نظامٌ يولّد الأزمات بدل أن يحلّها، ويكافئ الولاءات بدل الكفاءات. وقد قال أنطوان سعاده يوماً إنّ "الأمة التي تجهل حقيقتها، تهرب من واقعها"، وها نحن نهرب منذ عقود من مواجهة الحقيقة: استحالة العيش في ظل هذا النظام الذي لم يُنتج إلا انقسامًا وعجزًا وفسادًا.

لبنان الذي تحدثت عنه كان وطن الثقافة والانفتاح والفن، بلد الصالونات الأدبية والمحاضرات والمسرح، لا بلد الشعارات الفارغة والاصطفافات الضيقة. نفتقد اليوم روح تلك المرحلة، حين كان الفكر يحاور الفكر لا السلاح، وحين كانت الندوة اللبنانية منارةً للعقل والجدل الراقي.

نعم، حاولنا أن نكون لبنانًا واحدًا لا لبنانان، لكن الواقع أصرّ أن يذكّرنا كل يوم بأننا أكثر من لبنان، وأنّ الوحدة في الشكل لا تُخفي التشرذم في العمق. فهل نملك بعد كل ما جرى شجاعة الاعتراف بأنّ الحلم الجميل اصطدم بجدار النظام الطائفي؟

اليوم، أكثر من أيّ يوم مضى، الفرصة مؤاتية للتغيير. فموازين القوى تتبدّل، وأنظمة كانت تبدو راسخة تتهاوى من حولنا، والتاريخ يفتح نافذةً نادرة أمام اللبنانيين. فليكن هذا التحوّل الإقليمي لحظةَ وعيٍ وجرأة، نعيد فيها النظر في نظامٍ خرب البلد، ونجعل منها نقطة انطلاق نحو دولةٍ مدنية عادلة، يعيش فيها الجميع بكرامة لا بتقاسم الحصص.

ولعلّنا نتّعظ من تجارب الدول التي عرفت الحروب ثم وجدت طريقها إلى السلام عبر أنظمةٍ ضمنت العدالة والتوازن بين مكوّناتها، كسويسرا مثلًا، التي حوّلت تنوّعها إلى قوّةٍ واستقرارٍ دائمين. لسنا أذكى من غيرنا، لكننا ربما أكثر عنادًا في رفض التعلّم من تجارب الآخرين.

فلبنان حالة تُدرّس لما فيه من تشابكٍ وتناقضٍ وعبقريةٍ في الفوضى، لكنه لا يحتاج إلى دروسٍ جديدة بقدر ما يحتاج إلى شجاعة الاعتراف بأنّ الإصلاح البنيوي أصبح قدره الوحيد.

لقد جربنا "لبنان الواحد" ضمن نظامٍ عاجز، فلم ينجح. فلنجرب اليوم لبنانًا جديدًا بنظامٍ مختلف، لا يظلم أحدًا ولا يقدّس أحدًا، لعلّنا نستحق عندها أن نحمل شعارك من جديد — لا كحلمٍ مكسور، بل كحقيقة قابلة للحياة.

وأسألك يا صاحب القرنفلة البيضاء التي ميّزت مسيرتك، والتي لازمتك رمزًا لـ زهرة بيروت، كما أوضحت، زهرةٌ للنقاء والانتماء والسلام. يا صائب سلام، لو كنت بيننا اليوم، وشهدت ما حلّ بلبنان الذي أحببت، فهل كنتَ ستحافظ على شعارك القديم، أم كنتَ ستقترح علينا شعارًا جديدًا يقودنا نحو الهدف الأسمى ، العيش بسلامٍ في وطنٍ عادلٍ ومتوازنٍ بحق؟

أستاذة جامعية