يعيش لبنان على حافة الاحتمالات، وتبدو بعلبك الهرمل اليوم مرآة البلد كله، حيث تدار الحياة اليومية هنا بانتظار خبر عاجل، ويتحوّل الخوف إلى عنصر مؤثر في الاقتصاد كما في السياسة. وحدهم الأهالي يحاولون التكيّف مع الواقع، ينتظرون مآل الأمور خلال الأيام المقبلة، وسط الحديث عن التصعيد نهاية الشهر الحالي، وحصة الأسد للمنطقة منه.
عندما يذكر احتمال عودة الحرب، تتحول تفاصيل الحياة اليومية في بعلبك الهرمل إلى ما يشبه حالة الطوارئ الصامتة، حيث يتقدم الخوف على الرغبة، والاحتياط على المبادرة، والسيولة على الاستثمار. ففي الأسواق يمكن للزائر أن يقرأ نبض الناس من وجوه التجار قبل بضائعهم، التجار يشتكون من قلة الطلب، يعلمون أن الناس تشتري الضروري فقط، يمرون أمام واجهات العرض من دون الدخول، يكتفون بالنظر فقط، فالكل ينتظر، ولا أحد يريد أن يصرف قرشًا قبل أن يعرف إلى أين تتجه الأمور.
فالانكماش الاقتصادي الذي تعيشه المنطقة، وبات لسان حال التجار وأصحاب المحال، ليس ابن أزمة اقتصادية فقط، فبعلبك الهرمل عاشت التضخم والفقر قبل ذلك، بل هو ثمرة خوف عميق يتسلل إلى النفوس قبل الجيوب، خوف من حرب قد تأتي أو لا تأتي، لكن ذلك يكفي ليجمّد حياة الناس. ومعه يتحول القلق إلى لغة يومية تسمع في الأسواق قبل نشرات الأخبار، وترى في الوجوه قبل العناوين.
فالركود هنا ليس رقمًا في بيانات، بل حالة يعيشها الناس يوميًا، الأبواب تغلق باكرًا، والحديث عن المستقبل بات ترفًا، هناك من يخبئ مدخراته، ومن يؤجل مشروعًا صغيرًا، ومن يشتري لسد الرمق فقط، وكل ما عدا ذلك مؤجل حتى إشعار آخر. ففي الأسواق يشكو التجار من جمود الحركة، ويؤكدون أن المبيعات انخفضت إلى أدنى مستوياتها منذ بداية العام، فالناس تؤجل كل ما يمكن تأجيله، من شراء الأثاث والملابس حتى مستلزمات الزراعة، فالناس تخاف أن تصرف أموالها اليوم وتندم إذا اشتعلت الحرب.
على المقلب الآخر، برز خلال الأيام الماضية حراك صحي لوزير الصحة في المنطقة، كان أبرزه البحث في سبل الجاهزية الطبية والصحية تحسبًا لأي طارئ محتمل. اللقاء ضم أطباء ومدراء مستشفيات خاصة وحكومية، وتركز النقاش على تأمين الأدوية والمستلزمات الطبية ورفع مستوى التنسيق بين المعنيين.
هي أشبه بمناورة صحية كما وصفها البعض، تأتي لتطمئن الناس في منطقة تفتقر إلى بيئة صحية متماسكة، لكنها عكست في الوقت نفسه القلق الرسمي من تطورات محتملة، ومحاولة استباق الأزمة قبل وقوعها. وفيما لاقت الخطوات إرتياحًا، إلا أنها لم تخف الواقع الصعب الذي تعيشه المنطقة، ومدى قدرتها على التحمل في حال وقوع المحظور. فالمواطن العالق بين الخوف من الحرب وضيق العيش، يعيش على مفترقٍ قلق واستعداد: الخوف يجمد الحركة الإقتصادية، والاستنفار الصحي يحاول أن يملأ الفراغ بثقة موقتة. وبين هذا وذاك، يبقى الأهالي أسرى أخبار متناقضة وشائعات يومية تزيد من التوتر وتضعف نبض الحياة.
وعليه، تبقى بعلبك الهرمل مثالًا لمنطقة تحمل على كتفيها ثقل القلق الوطني، وتظهر أن الانكماش ليس مجرد مؤشر اقتصادي، بل حالة إنسانية تعكس هشاشة الاستقرار في بلد يتنفس على إيقاع التهديدات، ويحاول رغم كل شيء أن يبقى واقفًا.