المخرج رمال أبي يونس

زيارة البابا… قداسٌ للرجاء ومحكمة للسياسة

7 دقائق للقراءة

ثلاثة أيام من المطر والبخور، نورٌ مرّ بين الخراب وفتح باب السماء فوق لبنان، فزيارة البابا لا تشبه أي زيارة رسمية أو دينية سبق أن عاشها هذا البلد الصغير في حجمه والكبير في معانيه. ثلاثة أيام فقط كانت كفيلة بخلط المشهد، فضح البعض، وتكريس البعض، وإظهار حقيقة لبنان كما هو: بلد يمكن أن ينهض عندما يريد، ويمكن أن يسقط عندما تتحكم به صغائر السياسة.

من المطار… بدأت الرواية برسالة أرادتها الدولة: القوات الجوية اللبنانية في السماء ترحب بالبابا على طريقتها، مشهد حرّك مشاعر كل من يحب الجيش ويريد لبنان دولة كما كان وليس دويلة كما أرادوها، ورئيس الجمهورية وعقيلته على أرض المطار بانتظار أن تطأ أقدام الحبر الأعظم أرض لبنان، قد تكون هذه الصور "بروتوكولية" لكنّها حملت رغم كل شيء صورة بلد لا يزال يعرف كيف يستقبل ضيوفه ويكرمهم، حتى لو اختلف اللبنانيون على كل شيء آخر.

وصل قداسته لبنان وتوجه الى القصر الرئاسي حيث المشهد الأكثر صدقًا كان، دبكت "هياكل بعلبك" تحت المطر فرحًا وتهليلا بمرور البابا، شباب وشيّاب أرادوا إيصال الصورة الحضارية عن لبنان وأن يرى الكون تقاليده وتراثه فهذا لبنان الحقيقي: تلقائي، طبيعي، عفوي.

ثم جاء فيديو الاستقبال الذي تأثر به البابا بوضوح. لحظة نادرة جعلتنا نتذكر أن لبنان ليس فقط فسادًا وانهيارًا… بل أيضًا ذاكرة، قصة، وأمل.

ورغم الانتقادات التي لاحقت العهد، لعب الرئيس وعقيلته دورهما كاملاً كما يجب، فاستقبل القصر ضيفًا عالميًا بلياقة عالية. الحضور الكبير من السياسيين، الإعلاميين، القيادات العسكرية والروحية أعطى الإحساس بأن الحدث أكبر من الخلافات المحليّة وبأن لبنان كطير الفينيق بسرعة البرق ينهض من بين الركام منتفضًا على كل شيء.

من القصر والحرس الجمهوري مشكورًا على جهوده، الى عنايا وحراس الدير، الرهبنة المارونية التي خدمت البابا بإيمانها وروحانيتها وكبرت في تواضعها أمامه وأمام الملأ. ففي عنايا، توقّفت السياسة، دخل البابا صامتًا، أضاء شمعة لمار شربل أتى بها من روما معه وركع أمامه، هنا في تلك اللحظة، فهم اللبنانيون لماذا تبقى الروح أقوى من الدولة.

تحضيرات بلدية عنايا كفربعال بقيادة الريس مارك عبود كانت درسًا في كيفية تنظيم حدث عالمي بلا فوضى، وبلا استعراض.

فكل شيء كان متقنًا: المتطوعون، الاستقبال، الإنارة، الأمن، الانسياب… وكأن المنطقة بأكملها تدرّبت لأشهر. والناس… نعم الناس الذين وقفوا تحت المطر، هؤلاء كانوا أجمل من كل الكلمات. هم الذين أنقذوا صورة لبنان.

ومن عنايا الى بكركي، حيث المشهد الذي قلب المقاييس والمعيير كافة، فأراد الحبر الأعظم أن يمرّ بين آلاف الشباب والشابات وسيارته غير مقفلة. أراد أن يحييهم وهو قريب منهم وهذه ليست جرأة، بل رسالة: أنا آتٍ لأراكم أنتم…

كان اللقاء أجمل محطة شبابية في الزيارة: ابتسامات، دموع، صلوات، وكلمات لامست الروح، وأيادٍ تمتدّ للبركة.

هكذا تُبنى الثقة: بوجهٍ يبتسم، وحقيقة لا مفرّ منها ومن دون مواكب مدرّعة وبروباغندا لا قيمة لها إعتاد اللبنانيون عليها من سياسييهم.

بعد بكركي، دير راهبات الصليب، وطريقه المعبّدة بالتعب والعتب، حيث قالت الأم ماري مخلوف الكلمات التي عجزت عنها السلطة والسياسة: كلمات عن الوجع الحقيقي، عن الألم الذي لا يراه الإعلام، وعن لبنان الذي يعيش على "قدرة ربّه".

تأثر البابا كان كافيًا ليخبرنا أن الصدق لا يحتاج مؤتمرًا صحافيًا.

يمر الوقت مع البابا واللبنانيون لا يريدون للزيارة أن تنتهي. فالقداس في حريصا كان هبة روحية. تمثال الورد الذي قدّمه البابا للعذراء والذي قيل إنه "يحمل رائحة المسيح" لم يكن تفصيلاً. فكان رسالة أن لهذا البلد قديسيه، لديه سرّه، لديه حمايته مهما اشتدّت عليه العواصف وضربت به. أما عن التنظيم فكان لافتًا والدقة عالية، ما جعل المشهد يطغى على كل الطقوس.

وبعدها عاد البابا إلى بيروت حيث عقدَ لقاءً مسكونياً مع ممثلي الطوائف اللبنانية، في رسالة واضحة إلى أن لبنان يبقى مساحة لقاء بين الجميع وذكّر بأن الطائفية شيء… والوحدة الروحية شيء آخر.

وشدد على أن لبنان ليس مجرد دولة بل رسالة، هذه العبارة التي قالها البابا يوحنا بولس الثاني، والبابا الحالي كررها، هي حجر أساس في أي نقاش خَلَوي وعلى ضرورة حماية التعدّد الديني الفريد والتشديد على دور الكنيسة في دعم الناس في ظل الانهيار الاقتصادي وتأكيد أهمية الثبات الروحي رغم الجراح والتحذير من هجرة المسيحيين وانعكاسها على هوية لبنان.

وبعدها كانت خلوة مع البطريرك الماروني ورئيس الجمهورية، والتي كانت روحية في ظاهرها… سياسية في عمقها. حيث شدد غبطة البطريرك على هموم المسيحيين والقلق من الهجرة والحاجة لحماية لبنان في المنطقة ودعم مطلب حياد لبنان أو تحييده عن الصراعات.

وطالب البابا روحيًا: حماية رسالة لبنان أما إنسانيا فوجع الشعب والكارثة الإجتماعية أما سياسيا فدعوة واضحة للسلطة كي تستيقظ قبل فوات الأوان. والبابا بطبيعته لا يوبّخ بصوت عالٍ لكن في الخلوات، كلامه أكثر صراحة مما يُقال في الإعلام.

أما مرور البابا في الضاحية الجنوبية مُستقبلًا بالأعلام والصور كان حدثاً بحد ذاته، رسالة انفتاح غير مألوفة، وربما صفحة جديدة لا يريد البعض الاعتراف بها.

لكن المحطة الأكثر قسوة وإنسانية كانت مرفأ بيروت حيث زار البابا موقع التفجير وصلّى عن أرواح شهداء الانفجار. هناك بين الركام وضع الورد المبارك بسلطانه وأضاء شمعة الحقيقة التي لن ينطفىء نورها أبدًا رغم الظلام والظلمة.

فلم يكن البابا بحاجة إلى كلمات، كان يستمع، ينحني، يتأثر، أعطى لكل عائلة وقتًا لتتكلم. وهذا ما أثار موجة احترام وتقدير واسعة. وهذا وحده كان كفيلًا بأن يفضح دولة بأكملها لم تعطِ هؤلاء دقيقة واحدة من العدالة.

بعدها توجه الى الواجهة البحرية حيث نظمت شركة "أيس" برئاسة شادي فياض القداس الإلهي الذي كان يليق بلبنان الذي نحلم به جميعنا، القداس كان ضخمًا منظمًا بطريقة راقية، بإخراج وتصوير احترافي، بحضور كنسي هائل تخطى المئة وخمسين ألف مصلّ. كأن بيروت حاولت أن تقول: أنا ما زلت أستطيع رغم كل شيء.

بعد الإنتهاء من القداس أتى الوداع… فوجه لبنان الحقيقي يظهر، في الوداع قدم الرئيس والبابا كلمات وداعية مؤثرة، بعد ثلاثة أيام قلبت المزاج العام في لبنان، وفتحت نافذة نور وسط العتمة لكن الحقيقة ظهرت عندها: لبنان يحتاج إلى أكثر من زيارة كي يشفى لكن هذه الزيارة.

فجّرت الجدل فعدم زيارة البابا للجنوب أثارت تساؤلات سياسية كبيرة، خصوصاً أن الجنوب جزء أساسي من المشهد اللبناني والتوازنات الداخلية، وعدم دعوة الدكتور سمير جعجع الأمر الذي فتح باب التأويلات: هل هو قرار بروتوكولي؟ أمني؟ أم سياسي؟

النتيجة واحدة: جدل واسع كان يمكن تفاديه.

أما المفاجأة الإيجابية مع زيارة الحبر الأعظم فكانت التضامن الإعلامي للمحطات اللبنانية التي نقلت صورة منظمة محترفة وجميلة خاصة محطة أم تي في والفرق التقنية العاملة يوميًا والتي قدمت مهنية وحرفية نادرة كأن الزيارة أعادت شيئا من كرامتها.

في النهاية الزيارة كانت نعمة وصفعة. وكانت صلاة ومحكمة وكانت عيدًا وطنيًا لكنها كانت مرآة أيضا.

البابا غادر لكن الأسئلة بقيت وثلاثة أيام فقط كانت كافية لتظهر حقيقتين.

لبنان الذي يستطيع أن يبهر العالم عندما تتوحد إرادته ولبنان الذي يتعثر لأن السياسة تتحدى قوة قديسيه.

فلبنان لم يمت… بل أنتم من يقتله أو يحييه.