مايا الخوري

مرحلة ذهبيّة مليئة بالتحدّيات

الشيخوخة... المرافقة الصحيحة تعزز الذاكرة وتحفز القدرات

5 دقائق للقراءة

على الرغم ممّا تحمله مرحلة الشيخوخة من حكمة وتجارب شيّقة، إلّا أنها تصبح مهدّدة بالوحدة والخسارات وعدم الأمان نتيجة التحدّيات الجسدية والمتغيّرات الاقتصادية والاجتماعية، ما يؤدّي إلى شعور محتمل بالقلق والاكتئاب يتطلّب رعاية صحية جسدية ونفسية على حدّ سواء.


كلّما تقدّم الإنسان سنًا، تراجعت بعض قدراته الجسدية أو الفكرية بفعل التغيّر البيولوجي البسيط المتوقع للجسم، من دون أن يعني ذلك تعرّضه الأكيد لأي عجزٍ في هذا الإطار. كما يصبح حسّاسًا أكثر، كتومًا، وأحيانًا متنكّرًا لتقدّمه في السن ما قد يعرّضه لاكتئاب أو لشعور بعدم الأمان.

إلى ذلك، يشعر المسن بفعل التقاعد المهني الطبيعي أنه لم يعد منتجًا ومستقلًا ماديًا كما في السابق، أي متمكّنًا قوّةً وسلطةً وقدرةً في اتخاذ القرارات. ما يستوجب وفق الأخصائية النفسية إيما ضو، التوعية حول الخسارات المرافقة للشيخوخة.

وتقول: "للأسف، يشعر المسنون في لبنان بعدم الأمان نتيجة الحروب المتكرّرة التي عايشوها، وازدادت نسبة الاكتئاب لديهم بسبب الأزمة الاقتصادية وخسارة جنى العمر في المصارف".

ولا تقتصر تحدّيات الشيخوخة على المسن فحسب، بل تنسحب على أفراد العائلة الراعية أيضًا، حيث تنقلب المسؤولية ليصبح الأولاد هم رعاة الوالديْن لا العكس، على الصعيدين الماديّ والصحّي، وعلى صعيد تقديم النصائح والإرشادات الصحية واتخاذ القرارات. وقد تترافق هذه المسؤولية مع شعورٍ بالذنب لدى بعضهم في حال السفر أو الانهماك بالشؤون المهنية والعائلية ما يحول دون توافر الوقت الكافي للتواجد مع كبير السن.

وتحدّد ضو عنوانًا شاملًا حول كيفية تقديم الدعم النفسيّ الصحّي للمسن الذي يتمحور حول إشعاره بأن لوجوده معنى معيّنًا، كمشاركته في القرارات والخيارات واستشارته، فيحسّ بقيمته الذاتية وبالحاجة إليه، فيمكن أن نطلب من الجدّة الاعتناء بالأحفاد أو إعداد الحلوى أو الطبخ مثلًا، واستشارة الأب في أمور حياتية ومهنيّة أيضًا، ما يشعرهما بفعالية وجودهما في الحياة. وتشدّد على ضرورة عدم التخلّي عن المسنين في الأعياد وتخصيص وقت لهم على الرغم من مشاغل الحياة اليومية، والاستعانة بالتواصل الرقميّ لإرسال الصور والفيديو يوميًا، لأن هذه المبادرات الصغيرة لها انعكاس إيجابي في نفس المسن.

أمّا عن انعكاس الوحدة على نفسية المسن سواء أكان أعزب أم فاقدًا شريكه، فتقول: "بيّنت الإحصاءات والدراسات، أن نسبة وفاة من فقد شريكه مرتفعة في خلال 6 أشهر من الخسارة، خصوصًا إذا تخطّى السبعين والثمانين من عمره. كما بيّنت الدراسات النفسية أن الشعور بالوحدة والفقدان يؤثر كثيرًا في حياته، لذلك نشجّع العلاج النفسي والدعم العائلي والمرافقة. كما أظهرت المتابعة العيادية أهمية مرافقته في مرحلة الحداد ليتقبّل هذه الخسارة بطريقة عقلانية والتعبير عن مشاعره".

وتحدّثت ضو عن النشاطات الاجتماعية والترفيهية التي تحسّن مزاجية المسن، وتعزز علاقته الاجتماعية بالآخرين بعد سن التقاعد. فتعدّد خيارات واسعة ومفيدة في هذا الإطار منها لعب الورق وقراءة الصحف وحلّ الكلمات المتقاطعة و sudoku وتركيب puzzle، ما يحفز الدماغ والقدرات الفكرية وبالتالي يعزز الذاكرة. كما يرفع النشاط الجسدي هرمونات السعادة، حيث بيّنت الدراسات أن المشي لمدّة 10 و 15 دقيقة فقط كفيلة برفع هرمون السعادة عنده. إضافة إلى أن الخروج إلى الطبيعة وتنشق الهواء النظيف يزيد نشاطه ويعزز تواصله الاجتماعي خصوصًا إذا كان برفقة شخص آخر أو حيوان أليف. وقد أظهرت الدراسات أيضًا علاقة وثيقة ما بين الغذاء والصحة النفسية، لذا من المهمّ تنظيم غذاء المسن للحفاظ على صحته الجسدية والنفسية.

ودعت إلى أن تكون المراجعة الطبية روتينية ودورية بحسب الحاجة، مضيفة: "من واجب طبيب الشيخوخة عدم الاكتفاء بوصف مضاد للقلق أو الاكتئاب في حال ظهرت أعراضهما، بل تحويل المسن إلى معالج أو أخصائي نفسي لمرافقته بالتزامن مع العلاج الطبي".

وفي حال لاحظت العائلة مؤشرات أو تغيّرًا جذريًا في سلوكه كفقدان الشهية أو البكاء الفجائي الحاد، يجب متابعته نفسيًا لأنه يميل إلى اكتئاب صامت وأفكار سوداوية قد تدفعه إلى إنهاء حياته. وعبّرت عن أهمية ورش العمل والندوات والمحاضرات التي تُنظم بهدف التوعية حول أهمية دعم المسنين من الناحية النفسية، مشيرة إلى بعض المراكز الاجتماعية الراعية للشيخوخة التي تضمّ اختصاصيين يعملون على المحافظة على نوعية حياة المسنين الاجتماعية والصحية، وقد باتت للمسن القدرة على اختيار ما إذا كان يرغب في المتابعة النفسية الجماعية أو الشخصية.


علامات الخطر

ميّزت ضو بين التغيّرات النفسية الطبيعية والتدهور المرضيّ في مرحلة الشيخوخة، معتبرة أن التقدّم في السن لا يرتبط بالضرورة بالاكتئاب واضطرابات القلق والانطواء، إلّا أن ثمة إشارات يجب الانتباه لها لأنها تنذر بأهمية استشارة طبيب الشيخوخة أو اختصاصي أو معالج نفسي، وهي:

- إهمال الصحة الجسدية

- التوقف عن تناول الدواء

- إهمال النظافة الشخصية

- فقدان الشهية أو الشراهة في الأكل

- عدم التواصل مع الآخرين

- الخمول وهو الأكثر خطورة.