مسيحيّو السودان يأملون بحرّية الممارسة الدينيّة

5 دقائق للقراءة
رفض منح تراخيص لبناء كنائس شكّل أداة قمع رئيسيّة على مدى سنوات

ينتظر المسيحيّون في السودان أن تُشكّل العمليّة السياسيّة الانتقاليّة بداية لعهد جديد من حرّية الممارسة الدينيّة، وذلك بعد تعرّضهم للاضطهاد والقمع على مدى عشرات السنوات في ظلّ حكم الرئيس المخلوع عمر البشير، الذي طبّق "الشريعة الإسلاميّة" بعد توليه السلطة اثر انقلاب العام 1989.

وداخل الأزقة الترابيّة المنتشرة في أم درمان، قرب الخرطوم، لا يُمكن رؤية كنيسة القس يوسف زمغيلة من الطريق، فالكنيسة تتّخذ من حديقة منزل أحد الأصدقاء مقرّاً، وتضمّ بضعة مقاعد حديديّة ومنبراً وصلباناً رُسمت بعجل على أعمدة يستند إليها سقف مؤلّف من ألواح خشبيّة.

وقال القس اللوثري: "المقرّ السابق دُمّر لأنّنا لم نكن نملك الأوراق اللازمة"، مضيفاً: "دائماً ما كانوا يرفضون، لذا استخدمنا أرض أحد جيراننا". وكان الامتناع عن منح المسيحيين في السودان تراخيص لبناء كنائس، أداة القمع الرئيسيّة على مدى سنوات. ومن أساليب القمع الأخرى، فرض الدولة الثقافة الإسلاميّة التامة في المدارس وأماكن العمل.

وأوضح جيكوب بولس، المعلم البالغ من العمر 28 عاماً في أم درمان، أنّه "لا يُمكن لشبابنا وأطفالنا التعلّم عن المسيحيّة، لأنّ البيئة بأكملها تُعنى فقط بالمسلمين". وبحسب أرقام حكوميّة، يُمثّل المسيحيّون 3 في المئة فقط من عدد سكّان السودان البالغ 40 مليون نسمة، علماً أنّ المسؤولين المسيحيين يُعلنون أن العدد الحقيقي أكبر بكثير. وفي السودان، أقباط وكاثوليك وأنغليكان ولوثريّون وعدد من الطوائف الأخرى، ودفع النظام الإسلامي للبشير بكثيرين منهم إلى الاختباء.

كما طُردت بعض الجمعيّات الخيريّة الأجنبيّة التي تُساعد مسيحيي السودان، في خطوة اتخذت منحى تصعيديّاً في أعقاب انفصال الجنوب ذي الغالبيّة المسيحيّة العام 2011. وقال الأسقف الأنغليكاني للخرطوم إزكييل كوندو: "شعرت السلطات بأنّ الكنائس والجمعيّات الخيريّة المسيحيّة تدعم استقلال جنوب السودان". وأشار وهو جالس في مكتبه قبالة كنيسته الكبيرة في وسط الخرطوم إلى أن "الدولة طبّقت باستمرار استراتيجيّة لإضعاف الكنيسة". وفي تقريرها عن حرّية الممارسة الدينيّة على مستوى العالم، صنّفت جمعيّة "مساعدة الكنيسة المحتاجة" الأسقفيّة، السودان، في الفئة الأكثر خطورة بين الدول.

وأطاح الجيش البشير في نيسان من هذا العام، إثر موجة احتجاجات شعبيّة واسعة على خلفيّة الأزمة الاقتصاديّة المتفاقمة في البلاد. وأدّى مجلس سيادي غالبيّته من المدنيين، اليمين الدستوريّة الأسبوع الماضي، بموجب اتفاق بين "المجلس العسكري الحاكم" وممثلي حركة الاحتجاج. وتضمّن "الإعلان الدستوري" فترة انتقاليّة من 3 سنوات، واستبعد حكم الشريعة.

وأعطى ذلك، إضافة إلى رياح التغيير الديموقراطي في السودان، المسيحيين وأقليّات أخرى، الأمل في حصول التعدديّة الدينيّة على حماية أفضل في المرحلة المقبلة. وقال القس يوسف زمغيلة: "نأمل بحصول تغيير، المسيحيّون كانوا في التظاهرات، إذ كان لديهم سبب وجيه"، مضيفاً: "أعتقد أن الأيّام الحالكة قد ولّت". وتابع: "أقلّه الآن، يعترف حكّامنا بالمسيحيين كجزء من هذا البلد"، مؤكّداً أن "المسيحيين صلّوا من أجل هذا التغيير لعقود، نحن سعداء لأنّ هذا التغيير قد أتى". وكان يجلس إلى جانبه في الكنيسة المتواضعة القس متى بطرس كومي، وأبدى تفاؤلاً مماثلاً.

وفي مؤشّر ايجابي آخر بعد التحوّلات السياسيّة التاريخيّة الأخيرة، عُيّنت امرأة مسيحيّة في المجلس السيادي المكوّن من 11 عضواً من المدنيين والعسكريين، والذي أدّى اليمين في 21 آب. ونظّم المسيحيّون تظاهرة احتجاج في الخرطوم الأسبوع الماضي للمطالبة بالمساواة في الحقوق، وهو ما كان من الصعب تصوّره أثناء حكم البشير عندما كانت الاعتقالات والغرامات شائعة.

وفي هذا الصدد، قال جون نيوتون، من الفرع البريطاني لهيئة "مساعدة الكنيسة المحتاجة": "شعرنا بالقلق عندما أعلن المجلس العسكري الانتقالي في أيّار 2019 أن حكم الشريعة سيستمرّ، لأنّه لطالما استُخدم مفهوم متشدّد للشريعة كمطرقة لضرب المسيحيين"، مضيفاً: "نشعر بتفاؤل حذر إزاء تمسّك المجلس الحاكم الجديد بحرّية الممارسة الدينيّة للأقليّات، لكن في نهاية الأمر علينا الانتظار لمعرفة تطوّر الأحداث". وفيما يأمل الأسقف إزكييل كوندو بأن يُخفّف المجلس السيادي الجديد الضغط عن المسيحيين، يرى في الوقت ذاته أن الأولويّة يجب أن تكون "إحلال السلام في السودان". واعتبر أنّه "إذا طبّقت مبادئ الفترة الانتقاليّة بشكل حقيقي، سيحصل تغيير"، وتدارك: "لكنّني لا أزال متشائماً نوعاً ما لأنّ العقليّة الإسلاميّة لا تزال موجودة".

وتمزّق البلاد عمليّات تمرّد ونزاعات في العديد من المناطق سكّانها من أقليّات غير عربيّة أو غير مسلمة. وفي السياق، أعلنت السلطات الانتقاليّة السودانيّة حال الطوارئ أمس الأوّل في ولاية شرقيّة، وأمرت بإجراء تحقيق في أعمال عنف قبليّة دامية تشهدها المنطقة منذ أيّام. وقرّر المجلس السيادي أيضاً إقالة والي البحر الأحمر ومدير جهاز الأمن في الولاية، وذلك بسبب احتدام الاشتباكات منذ الأربعاء بين قبائل البني عامر والنوبة في بورتسودان، عاصمة ولاية البحر الأحمر.