إستال خليل

بين الوصم الاجتماعي واحترام الجسد

الرقص الشرقي فن "انقرض" أم يستعيد النبض؟

8 دقائق للقراءة

مرّ وقت في لبنان، لم يكن يخلو فيه فيلم أو مسرحيّة أو حفل فنيّ أو برنامج تلفزيونيّ، من لوحةٍ راقصة شرقيّة أو غربيّة، وكان زمنًا عرف فيه الرقص الشرقي عصرًا ذهبيًّا، كانت في خلاله الراقصات نجمات ينافسن أهل الغناء والتمثيل، وكنّ لبنانيّات أو عربيّات عشن في لبنان. فعرفت الساحة الفنية في خلال حقبات مختلفة حتى مطلع الألفيّة الثالثة، راقصات شهيرات من بينهن: ناديا جمال وزينة رأفت وجورجيت جبارة ومارغو كالفيان وداني بسترس وسمارة وأماني وهويدا الهاشم وبشرى وناريمان عبّود وكارينيه وسواهن. ثمّ حدث أن صار الرقص الشرقي مرتبطًا بوافدات أجنبيات يتمايلن في مرابع السهر الأحمر، بينما لم تعد اللبنانيّات يحققن الحضور والنجومية اللذَين حققتهما سالفاتهن من راقصات "الزمن الجميل"، ربما لشحّ برامج المنوّعات التلفزيونيّة التي تستضيفهن أو لتغيُّر المزاج الفني والشعبي أو لتبدّل العلاقة والنظرة إلى الجسد. أضف أن منصّات التواصل الحديثة التي استقطبت أهل الغناء والتمثيل، لم تفسح للراقصات مكانًا لهن فيها. فهل "انقرض" فن الرقص الشرقي المحترف من بلدنا، أم أن النظرة إليه اختلفت وصارت دونيّة فتراجع حضور هذا الفن؟ 

الأستاذة الجامعية والباحثة في قضايا الجندر والجنسانية ريتا باروتا، تشير لـ "نداء الوطن" إلى أن "جسد المرأة تاريخيًّا، لم يكن مجرّد جسد، بل ساحة صراع. فغالبيّة الحروب كانت تُخاض من خلاله وعبره، وما نشهده اليوم من تضييق عليه ليس استثناء، بل هو امتداد لمنطق قديم، إذ يُعاد إنتاج السيطرة على الجسد بوصفه موقعًا للضبط". وتوضح باروتا أن "المرأة قد تبدو، ظاهريًا، أكثر حضورًا في الفضاء العام لا سيّما عبر وسائل التواصل، إلّا أن هذا الظهور لا يعني تحرُّرًا فعليًّا، فحضورها صار محكومًا بعينٍ تراقب وحُكم يسبق الفهم وتصوير لا يتوقف وتعليقات جارحة، تتحوّل إلى عنف اجتماعي مباشر". وتلفت باروتا هنا إلى التحوّل الذي أصاب الفن عمومًا قائلةً: "لم يعد الفن لرسالته ولذاته، بل بات يُفرض عليه أن يظهر وفق شروط محدّدة. فإمّا أن يكون مؤلِمًا كي يُقبل، أو منضبطًا كي يُمرّر، أو محمولًا على رسالة جاهزة تُقرأ وفق توقعات المجتمع والسلطات".


الوصم الاجتماعي

باروتا تطرّقت إلى الوصم الاجتماعي الذي يلاحق "الرقص البلديّ"، فقالت: "الرقص البلدي اليوم صار أكثر وصمًا من أيّ وقت مضى، لأن النظام الأخلاقي والخطاب الديني والإعلامي، عملا معًا لتحويل الراقصة أو الراقص من فنان إلى مشكلة". ورأت أن الخطر الأكبر لا يكمن في النقد بحدّ ذاته، بل في نقل الفن من مساحة الإبداع إلى مساحة المحاكمة. أما غياب الفنانات عن المشهد، فلا تربطه ريتا باروتا بالرقص وحده، وتُرجع ذلك إلى ردّة دينيّة متشدّدة تُحرِّم وتُحاسب. وتتابع: "حين يدخل الفن في نفق التبرير، يفقد حقه الطبيعيّ في الوجود، ويختنق تحت ثقل الاتهام الدائم".

وفي نقاش المصطلح، تشدّد باروتا على كونها تُفضل تسمية الرقص البلدي لا الرقص الشرقي، كما سمّاه الراقص اللبناني ألكساندر بوليكيفيتش، لأن كلمة شرقي تحمل في ذاتها منطق الاستشراق وتقسيم العالم إلى شرق وغرب، مبيّنةً أن "الرقص البلدي، تاريخيًّا، لم يكن عرضًا فولكلوريًّا ولا مادة لإشباع خيالات المستشرقين، بل كان طقسًا جماعيًّا واحتفالًا مرتبطًا بالمكان والناس والمعنى، قبل أن يُنتزع من سياقه ويُختزل إلى صورة إغرائية تبتلع تاريخه الاجتماعي والثقافي".

وفي المقارنة بين الأمس واليوم، تقول باروتا إننا "إذا عدنا إلى ما قبل عشرين سنة، لا سيّما في مجال الرقص، فقد كان هذا الفن حركة ومزاجًا وتعبيرًا. لكن هذا المسار لم يتبدّل فجأة، بل تراكم تدريجيًّا، حتى صار الجسد الأنثويّ محكومًا بمنطق الإذن: من أنتِ؟ ماذا تفعلين؟ ولماذا تتحرّكين بهذا الشكل؟. فإذا خرجت الحركة عن القيود المفروضة، صارت موضع شك واتهام، وكأن المرأة مطالبة بالاعتذار عن جسدها قبل أن تستخدمه كلغة".


مساران متناقضان

تقول الأستاذة الجامعية ريتا باروتا إن "الجسد الأنثوي في لبنان يُدفع إلى واحد من مسارَين متناقضَين: إما الإقصاء بوصفه شأنًا خاصًّا ينبغي إخفاؤه، وإمّا الاستهلاك بوصفه صورة تُفرَّغ من المعنى والاحترام، بحيث يخسر الرقص مكانته بوصفه فنًا، لا مادة إدانة". أما عن حضور الرجل في هذا الفن، فتقول باروتا إن الرجل حين يرقص "تنكشف هشاشة الصُّور النمطيّة عن الجندريّة. لكن المفارقة أن المرأة تُدان أخلاقيًّا، بينما الرجل يُعاقب جندريًّا. فالمرأة تُحمَّل معاني الشرف والعار، بينما يُطارَد الرجل الراقص بتهمة فقدان الرجولة ويُدفع إلى التشكيك في هويته، فيدفع الطرفان ثمن نظام واحد يرفض خروج الجسد عن الأدوار المرسومة له".

وتختم باروتا بالقول: "المجتمع لا يخاف من الرقص بحدّ ذاته، لكنه يخاف من الجسد حين يصير لغة واضحة. فالرقص لا يتيح الاستعاضة بالنص أو اللون أو الصوت، لأن الجسد هو الأدوات والمعنى معًا، وحين يتحرك بِحريّة يفضح هشاشة القوالب ويُربك يقين المجتمع بأن الأدوار ثابتة لا تتغيّر".


نضج وتجربة

الراقصة إليسار من جهتها، تُميّز في حديث مع "نداء الوطن" بين المحيط القريب والفضاء البعيد، فتقول: "ما يهمّني فعلًا، هو نظرة القريبين مني وجمهوري المباشر الذي يشاهد أعمالي ويُبدي محبّة صادقة وتقديرًا حقيقيًّا لفن الرقص ولشخصي. إنما الأحكام الآتية من سواهم أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي فلا تعنيني"، وتؤكّد أنها لا تبني حضورها على الجدل أو الاستفزاز، ولا تستفيد من أيّ تعليق سلبيّ لتصنع منه شهرة أو دعاية، لأن هذه النظرة تخصّ صاحبها فقط.

وتشير الفنانة إليسار إلى كونها تقدّم "فن الرقص من كلّ قلبي، فحركاتي تنبع من الداخل إلى الخارج، ولا أستخدم جسدي كسلعة مهنية، بل أحترمه وأحترم كلّ جزء فيه، وأعتني بذاتي نفسيًّا، وروحيًّا، وثقافيًّا، وجسديًّا". وهي ترى أن العلاقة بالجسد تتغيّر مع النضج والتجربة، وتقول: "كلّما تطوّر الإنسان وكبر، تغيّرت علاقته بجسده وزاد وعيه وإصراره للمحافظة على الموهبة التي زرعها اللّه فيه". وتلفت إلى أن مسيرتها الفنيّة أعادت صياغة نظرتها إلى ذاتها، فقد "صرت أحترم جسدي أكثر، وأتمرّن وأحبّ نفسي أكثر، لأن الجسد صار لغتي في عملي ومسيرتي، وأصبح الرقيّ أكبر في نظرتي إلى نفسي".

عن خياراتها الفنية، تقول إليسار: "قدّمت في بعض أعمالي رقصات "Fusion"، لكنني لم أخرج يومًا عن إطار الرقص الشرقي، وأنا اليوم أحارب لأستمرّ في تقديم هذا الفن، فهناك جمهور يلاحق الترندات، وهناك جمهور ما زال متعطِّشًا لفنّ سامية جمال وتحية كاريوكا، وللأسماء الكلاسيكية في تاريخ الرقص الشرقي".


تهميش واضح

لكنها في المقابل ترى أن الرقص الشرقي يتعرّض اليوم لتهميش واضح. "هو مظلوم في هذه المرحلة، وكثير ممّا يُقدَّم هو رقص غربي على موسيقى شرقية، لأن من يقدّمنه لسن عربيات ويحملن فولكلورهن الخاص"، تقول إليسار التي تؤكّد أن "هذا المسار أفقد الرقص روحه الأصليّة التي تُستنزف تدريجيًّا، وتتآكل شيئًا فشيئًا".

تحبّ الراقصة إليسار مشاهدة اللوحات والمشهديّات الراقصات، وترى أن ثمّة أعمالًا جميلة وراقية، "وأنا منفتحة على التجارب الجديدة، لكنني أضع حدودًا واضحة. كما أشجّع عددًا من الراقصين والمدرّبين، وبينهم شباب يقدّمون الرقص باحتراف ورقي في الأداء واللباس، ومنهم أصدقائي أو كانوا يدرّبونني". لكنها تلفت إلى أن "الرقص الشرقي في المجتمع العربي ما زال مرتبطًا بالمرأة والأنوثة"، مشيرةً إلى أن "هذا الواقع ينعكس على الفرص. ففرص الراقصة في إحياء الحفلات لا تزال أكبر من فرص الراقص، لأن المجتمع لم يتقبّل بعد حضوره في هذا المجال، ومعظم الرجال الراقصين يتجهون إلى التدريب أكثر من الأداء في المناسبات العامة".


إصرار واستمرار

نسأل إليسار عن تراجع نجومية الراقصات في لبنان مقارنةً مع نجوميّة راقصات شهيرات خلال العقود السابقة، فتجيب: "في السابق لم يكن عرس لبناني يخلو من وجود راقصة، أمّا اليوم فلم يعد الرقص الشرقي يُطلب كما مِن قبل. قد أكون من اللبنانيّات القليلات اللواتي عدن من الخارج للاستمرار بهذا الفن في لبنان رغم الظروف، وأنا أعمل على خطة تسويقية ليعرف الناس أنني عدت، فالحرب والأزمة الاقتصادية دفعت كثيرات إلى الهجرة". لكن في المقابل، "لديّ عمل وسفر إلى العراق والأردن ومصر، إنما سأعود إلى لبنان، كما أنني في صدد إعادة توزيع أغنية لي بحلّة جديدة".

إليسار التي تتحدّث عن الفن الذي تقدّمه بنبرة إصرار ومثابرة، تختم كلامها قائلةً: "أنا أعمل على نفسي وعلى الطريقة التي أقدّم بها فن الرقص، وسواء تغيّرت نظرة الجمهور أم لم تتغيّر، سأستمرّ، لأن الفن الحقيقي يبقى وسيأتي يوم يعود فيه الناس إلى الفن الراقي الذي قُدّم منذ أقدم العصور باحترام لا بابتذال".

"الفن الحقيقي يبقى"، تقول إليسار. عبارة يمكن أن تلخص مسار فن عرف حضورًا عميقًا في تاريخ الشعوب ثم انكفأ أو تبدّل، لكنه لا بدّ باقٍ في الفكر والجينات وإن بأنماط وروحيّة مختلفة تشبه الزمن الذي نعيشه. فمن يدري متى يرمي الرقص الشرقي غلالة الاحتجاب عنه ويعود إلى الساحة ليصنع نجمات جديدات يكتبن فصلًا جديدًا من تاريخ هذا الفن الجميل؟