المحامي محمد آصف ناصر

ASINUS ASINUM FRICAT

10 دقائق للقراءة

في العام 1508 أصدر ديسيديريوس إيراسموس الروتردامي (DESIDERIUS ERASMUS ROTERODAMUS) الإصدار الثاني من الـــAdagia التي سُميت نسخة البندقية (ALDUS MANUTIUS) فتوسّعت الـــCOLLECTANEA ADAGIORUM (مجموعة الأمثال) لتصبح ADAGIORUM CHILIADES TRES (ثلاثة آلاف مثل). في هذا الإصدار أُثبت المثل "Asinus Asinum Fricat".

يتلخص المثل بحمارين يدلكان ظهر بعض وأفضل تعبير عنه في الأمثال الشعبية اللبنانية "حكِّلي تحكِّلك"، في دلالة على تحالف فطريات المستنقع الأخلاقي التي تجمعها ضحالة الفكر والمصالح والأهداف الصغيرة الهجينة، فتجد هذا التحالف يمتد من أقصى إلى أقصى، عابرًا الاسلاك الشائكة في المعسكرات المتضادة المتناحرة، فشبكة الفساد لا تعترف بحدود ولا تقف عند عائق.

هذه الشبكة قديمة من قدم التجمع الإنساني والدليل على ذلك أن المثل أعلاه هو مثل عريق يرجع في أصوله إلى زمن الجمهورية الرومانية ما قبل الحروب البونية وفق ما تثبته البنية النصية والاستعارة الزراعية السابقة للإمبريالية الرومانية وتجد الفكرة عينها في الحضارات القديمة التي تتفق جميعها على تصوير تواطؤ الرديئين. فالإغريق قالوا: "الرديئون يروقون للرديئين"، وفي سومر: "الكلب يعرف الكلب"، وفي مصر الفرعونية: "الأحمق يساند الأحمق". جميعها تؤكد أن الرداءة تتحالف فيما بينها.

والتحالف قد يكون واعيًا أو غير واع، فيمكنك أن تتعثر بالجماهير تصابر وتحاصر وتشتم وتكابر خدمة لمصالح وصولي انتهازي، فتتبادل المصالح بين من يحرك الجموع ومن يحصد الغنائم، وفي هذا السياق يمكنك أن تستقرئ إضرابات وتظاهرات ظاهرها محق ونتائجها مدمرة، وتاريخ المنطقة يشهد على ذلك ولم تكن ثورة الــWatsApp في العام 2019 إلا أكبر دليل على ما تقدم، فتحت ستار الغضب الشعبي تم تمرير التوقف عن الدفع وتشتت الناس لاحقًا بعبارة "القرش الداير". لم تكن ثورة الـــWhatsApp أول تحرك في تاريخ الجمهورية اللبنانية ظاهره أنيق وباطنه عفن، فمن العام 1860 حتى يومنا هذا مررنا بالاضطرابات والإضرابات والتظاهرات وعدم الاستقرار، ولو أجريت رسمًا بيانيًا مقارنًا بين الأحداث العالمية والتحركات "المطلبية" لوجدت خيطًا خفيًا يربط بين المجموعتين، خفاؤه قد يعين مناهضي "نظرية المؤامرة" غير أن الزمن والنتائج لا يكذبان.

صحيح أن كتاب وليام غاي كار، "أحجار على رقعة الشطرنج"، فيه من الميثولوجيا الشيء الكثير غير أن الأحداث التي حصلت بُعَيْدَ نشره صدّقت ما جاء في الخطوط العريضة في ذلك الكتاب وتنبئك بشبهة مصداقية لا يمكن للباحث الموضوعي أن يتغافل عنها كما لا يجوز له الانغماس بها، فالبحث العلمي يوجب عليك ألا تتعصب لاحتمال دون الآخر، وأن تزن الاحتمالات ضمن المعايير العلمية الوضعية الباردة، فتستمع إلى السيد نقولا شماس وكلامه غير الشعبي أثناء تظاهرات سلسلة الرتب والرواتب والتي حذر فيه من آثار السلسلة المدمرة على الاقتصاد اللبناني المتعثر. لكن الجمهور في الساحات كان يبصق ويشتم ولم ينتبه، في خضم موجات عدم الرضى، إلى ما سنؤول إليه، فلو عُرِضَت أيامنا هذه على متظاهر تلك الحقبة لارتاع وارتدع، لكنه اتَّبع العصبية والأهداف الصغيرة دون أن يستطلع الآثار، فذكرَّني بكلام سعيد تقي الدين عن "بغل الرأي العام"، وجبران خليل جبران عن المريض الذي تمتد يده من تحت اللحاف لتخنق الطبيب المعالج وبعد أن يقتله يتأوه بحثا عن طبيب يعالجه ليعود فيقتله خنقًا.

نمطية الحشود الانفعالية لم تتغير، وما تزال الصبحيات والسهريات تحفل بعدم الرضى، والفرد غير راض ومشتاق إلى مجدٍ غابرٍ، ويُمسي الأمس أجمل. بين تفاصيل الأحداث الصغيرة المتفرقة ينقضي الوقت وأنت تطالب بمطالب لا تعرف حقيقتها ويحكمك الاستياء وعدم الرضى من المهد إلى اللحد.

إذا كنت تعيش في هذه الدوامة فأنت حكما من الغوغاء التي تحقق مصالح الوصولية التي جمعت السلطة والمال وتسعى لاستمرار سطوتها ورخائها والانغماس بملذاتها، وكانت دومًا سببا في زوال الحضارات واندثارها، فتتحالف الاوليغارشية الانتهازية مع الدهماء الانفعالية لتبقى العامة تدور في دوامة العتمة والحرمان فيما تنتفع قلة من الأغنياء بالمقدرات لتعيش بذخا وترفا غير مشروع، وفي طرفي الفاقة المدقعة والرخاء الفاحش تذبل الأخلاق وتندثر القيم، فلا تستطيع أن تحاضر بالفضائل أمام معدم قضيته الرغيف، كما لا تَقدِر أن تَعِظ ثري بَطِر لينتهي عن الرذائل، وبين الطرفين تُسحق الطبقة الوسطى.

الطبقة الوسطى تجد في مسلمات حياتها اليومية وواقعها المعاش سلمًا قيميًا يسمى النظام System ، وهو المصفوفة Matrix التي تضمن انسيابية الحياة وإلى استقرارها يطمئن المواطن الغربي، فلا تشغله أية مسائل خارج سياقها، إذ لا يقترع المواطن الأميركي بناء على المسائل الدولية وإنما على المسائل الداخلية الخاصة، ويقترع بناء على السُلَّم القيمي المجتمعي الذي نُسِج في أروقة القوى الحاكمة للمصفوفة، فتراه عندما تهتز صورة متولي الشأن العام يستنفر عاطفيًا وبصورة غير واعية كما حدث مع قضية لوينسكي ويحصل اليوم مع قضية أبستين، هذا التفاعل لا يأتي من العدم أو الصدفة، بل من حركة مدروسة مؤسسة على علم التحكم بالجموع البشرية، وحتى برمجة الذوق العام والتحكم بالذوق الخاص كالمأكل والمشرب والملبس. فالفرد في بحر التجمعات البشرية لا يملك الكثير من حرية التفكير ولا يحظى بكثير من المساحة الزمنية ولا المعرفية لكي يختبر شخصيًا كل العوامل التي تؤثر على قرارته فتراه ينساب مع الأكثرية فيما يأكلون ويشربون ويلبسون ويقررون، ونادرًا ما يختلف الفرد عن المفاهيم العامة التي تخطُّها دوائر صناعة الرأي العام.

ومن ضمن المصفوفة تجد محور الممانعة لا يخرج على نمطية صناعة المفاهيم، وتكفير الآخر وإخراجه عن الملة، وعلى هذه الضفة التي صنَّفها جورج بوش الابن بمحور الشر، تجد نفس آلية التحكم التي لخصها Ignacio Ramonet في مقاله L’axe du Mal الذي نشر في افتتاحية Le Monde diplomatique في عدد آذار 2002. فلو تغيرت الأسماء وتغيرت الظروف تجد منهجية التحكم هي عينها وتتلخص بـــ:

- المصالح المالية.

- القوة الصماء.

- السردية.

وهذه المنهجية تجدها على كافة المستويات من الأوليغارشية الأبستينية إلى الكراكيب مرورًا بالحج وزمرته الذين يستظلون بـــ"الراية" والسردية.

أما سردية الكراكيب فهي الهشاشة بعينها، فهم يبيعون الناس أوهامًا عن بطولات لا أصل لها، ويستثمرون في الفتنة، و"يستلبصون" على أي عمل وإذا رفضهم العامل توسلوا بـالحج، وإذا لم ينفع سلطوا عليك السوقة الرعاع ليشتموك وينالوا منك ويذيعوا الإشاعات والافتراءات، وهددوك بالقتل والإيذاء وإذا لاحقتهم تباكوا في مظلومية مصطنعة ورجولة مزيفة والحقيقة أنهم على نسق بكوات الجباية في القرن التاسع عشر ينعقون مع كل ناعق ويصطفون مع أي سلطة وعدوهم الدائم هو الأخلاق والمبادئ والعمل الجاد للنهوض بالمجتمع وإخراج الوطن من دائرة الخراب.

هؤلاء والحج والأبستينيون يؤدون نفس الغايات ولو تغيرت الرايات، فالقاسم المشترك بينهم جميعًا هو الخروج على القانون، وتحقيق المصالح الضيقة والنفعية الوصولية على حساب الصالح العام، فلا يهتمون إن اندلعت حروب وهدمت صوامع وخربت بيع.

تتميز الاوليغارشية الابستينية عنهم فقط بجلسات الفرح الملعون التي تركن إليها في الخفاء وتستطيب بها الملذات الحرام دون وازع أو رادع ويخرج أفرادها ودُماها في الصباح ليحاضروا بالفضيلة والعفاف والعناية بالضعفاء فيما يستفيدون من انتشار الضعف والقهر ويراكموا ثرواتهم ويضاعفوا ملذاتهم.

عند سقوط الحضارات وتبدد النظم، تجد الأوليغارشيين أول المغادرين إلى ملاذات آمنة حققتها لهم ثرواتهم المتراكمة من دماء الشعوب التي قهروها، وما أدل على ذلك من مشهد فلول البعث في دمشق إبان السقوط كيف ازدحمت بهم حدود المصنع، كما تزدحم مخارج سفينة تغرق بالجرذان تقفز هربا منها، هاربين بثرواتهم وأموالهم فلم يبق منهم إلا من سبق وسَوَّى وضعه مع الحكم الجديد وأطلق لحيته وخفف شاربه وقصر دشداشته، وراح يصيح معهم "عوي ولاك" و"سبحان من أعزنا وأذلكم"، فلم يستوعب الفلول بعد عقود من صمت العلوي في سوريا، كيف يمكن للعلوي أن يزود عن كرامته، فتراهم تستفزهم عبارة "علوي" ليطلقوا الشتائم والسباب، فيما المواطن العلوي الفقير الذي قُهِرَ في زمن البعث استمر تحت وطأة القهر يتعرض للقتل والاهانة والتنكيل والتجويع دون رادع أو وازع أو معين إلا المسلم السني الطرابلسي الذي فهم معنى النضال والمعاناة وأطلق علماؤه في المسجد الأموي حملة "يوم المرحمة" حملة لم تتعد حدود لبنان الذي عرف مسلموه السنة كيف يصونوا الوحدة الاجتماعية فمن "ادخلوها بسلام آمنين" إلى "يوم المرحمة" أثبت سنة طرابلس تحديدًا أنهم ضمان الوحدة الاجتماعية والسلم الأهلي. بالنسبة للأبستينيين الذين يؤيدون الحكم الجديد، ويشيدون عبر مبعوثهم توماس باراك بتسامحه، "حق العلوي أن يموت" محفوظ في قاموسهم، وليس ذلك بغريب على ضيف جفري أبستين وصديق شبابه والذي جمعته وفيتالي تشوركين ضيافة أبستين في العام 2016. فمن شهد حفلات المجون الرومانية في جزيرة الشيطان لن يستاء من ذبح 50 ألف إنسان في يومين على الضفاف الشرقية للمتوسط.

أمام هذا المشهد المظلم وفي سياق غريب، والتزام أخلاقي مدهش، فاجأ العلوي العالم بالتزام أخلاقي امتنع فيه عن رد الإساءة بمثلها، فعندما بادر صفيق للطعن بطهارة الفتاة العلوية امتنع المؤثرون العلويون والناشطون على وسائل التواصل عن التعرض لحرمات الآخرين والتزموا أخلاقا كنا ظنناها اندثرت في زمن التواصل الاجتماعي الأكلح، هذا السلوك الذي سجلته وسائل التواصل الاجتماعي ليلة 02 شباط 2026 والتعاضد الذي شهدته هذه الساحات الافتراضية توحي بانتظام فطري متكامل، سبق وتجلى في تشييع عظيم جبل محسن أبو حيدر محفوظ سلوم، يرفض الخروج على القيم الأساس والأخلاقيات كما يناضل بمواجهة ابتلاعه من قبل معسكر ولي الفقيه والإسلام السياسي، هذا الوعي الجمعي المتقدم يؤسس لمستقبل مشرق، فبالرغم من سيطرة الإسلام السياسي الأعجمي على المؤسسة الدينية العلوية الوحيدة في العالم ورغم ماكينة الكراكيب الإعلامية ومحاولتهم إحكام قبضتهم على مستقبل العلويين نلمس تبرعمًا للأمل في الأجيال الطالعة التي سَحَقت أحلامها الحرب ودَمَّر حياتها الاستلاب الأوليغارشي والخيانة العقائدية، هذه الأجيال تحفظ السُلَّم القيمي وتمارس حريتها وإنسانيتها بصورة متقدمة وتدافع عن هويتها الدينية دون المساس بالآخرين. هذا المستوى المفاجئ بعد عقود من الضمور الفكري الطائفي وعقود من ممارسة الآخر لفظ القاف بفظاظة ليدعي نفوذًا حُرم منه أبناء القاف الأصليين ومنعوا حتى من الدفاع عن هويتهم حين خرج مع الاعلامي جو معلوف في العام 2019 معمم شيعي يستهزئ بمقام الشيخ يوسف بربعو (قد)، يومها لم يصدر أي بيان استنكار أو شجب من حزب الله رغم طلبي الشخصي والمباشر منهم الاعتذار وتحججوا أن الشيخ محمد علي الحاج العاملي هو معارض لنهجهم فيما هو يدير حوزة معترف بها من قبلهم في حفلة توزيع أدوار تصب جميعها في النتيجة عينها، كما فعل السيد محمد علي الحسيني بعد 08/12/2024 فراح يروج على حسابه على فايسبوك و X أن الشأن العلوي في الساحل سَيُدار شيعيا ودعا علويي جبل محسن وعكار أن يغادروا إلى جبل عامل في خطاب يعكس توحد أهداف الإسلام السياسي في السيطرة على الهوية وإلغائها. في هذا السياق وفي العام 2019 لم يُسمح لأبناء الساحل حتى الدفاع عن مقدساتهم أو هويتهم المستقلة وكانت المعارضة تسري همسا في البيوت والأظلة، فكان سقوط البعث تحريرًا لهذه الهوية أتاح للعلويين أن يُعبِّروا عن حقيقتهم دون مواربة أو قيد.

نعم لقد تحرر العلوي من قيد التبعية للآخر، ولن يقبل بعد اليوم بأية جهة تصادر هذه الهوية أو أن تستثمر بدمائنا، ففيما تدق طبول الحرب في الإقليم، نعلنها صراحة: نحن خارج الاصطفاف الإقليمي وكل المعسكرات لا تعنينا، نحن نريد حقنا بالحياة الحرة والكريمة بعيدًا عما يخطط له الابستينيون وكل حروب الأوليغارشيين لا ناقة لنا فيها ولا جمل، فلن ننزف لنبوء بــــ Crocodili lacrimae.