طريق الرب مستقيمة... أولها صليب وآخرها صليب... وما بين الصليبين رحلة لون وروح وجسد...
(كنيسة القيامة) في لوحة الرسّام شوقي دلال جوهر يسيطر عليه صمت وخشوع... فكأن قيامة هذا العام لا يليق بها إلا السير اليائس صوب الله بلا كَلِمٍ ضحل، ولا خطب جوفاء... ما دام من في السماء أعلم بمن في الأرض، فما جدوى الرجاء والصراخ والدعاء؟! إذاً فلتكن مشيئته في الأرض كما في السماء.
لكن لِمَ أتت ألوان دلال في هذا العمل على هذا المستوى من التشكيل؟ ولمَ هو ذاك المربع الداكن الذي يتوسطها؟!
ولمَ خلا المكان من مكونات دور العبادة التي ألفناها، تتدلى من الأسقف وعلى الجدران؟!
يسير الناس في اللوحة بكل تيه الحاضر، وقد حضرت كافة جوارحهم، بعد أن امتلأ المكان فيضاً من نور إيماني مبهم.
تتهادى خطاهم إيحاء بالإقرار والرضى... وقد توجهوا جميعاً إلى مربع أسود في عمق اللوحة! وما دلالة ذاك السواد؟!
وهو ليس الليل الذي ألفته البشرية. بل لكأنه حجاب فرضته سلطة الإيحاء، تعبيراً عن ضيق المصير الذي آلت إليه الأحوال!
ولأن هذه الأحوال نتيجة منطق علمي، تسبب بها تلاعب الخلق بسنن الخالق، أتت أضلاع السواد مستقية، تشير إلى احتمالية تورط العلم في إعادة هذا الكوكب إلى عصور من ظلام.
وتستمر سلطة الإيحاء في مداهمة مخيلة شوقي دلال، وقد مسه شعور باللا حول.
لذا أتى تكوين لوحته على شكل مستطيل طولي ترابي، يتوسطه مستطيل أسود هو أميل إلى التربيع، ليدل تساوي الأضلع على ضياع الاتجاهات، وبالتالي إلى مزيد من التيه. وقد بدا ذلك الظلام اللامتناهي، وكأنه يحاول ابتلاع طين المكان بما تبقى عليه من سلطة لون، راحت تفيض نوراً يسيل من حول أعناق العابرين حتى تناهي خطاهم وهم يدلفون صوب ذلك الظلام. فكأن النور ينسلخ عن تلك الجموع الموغلة في العبور، فاراً، مخلفاً سواد الأجساد الى ظلام النفق. ويظهر ان المؤمنين هنا يغادرون، وكأنهم يرمون بأنفسهم في التهلكة، بل يبدو عليهم تقبل المصير في مضيهم الهادئ الرصين، يرفعون صلبان المقدمة عالياً، بعد أن أثبتت كل محاولات التجربة المادية لا جدواها. ولكأن البشرية تقول ليسوع، لا تقم هذه السنة، فإنّا إليك قادمون.. فإما أن تكون قيامة جماعية، وإلا فلا جدوى من ضوء يفر وراء، من ظلام، يحاول ابتلاعه.
ويخلو فضاء الكنيسة السامق... إلا من تفاعلات اللون والزمن المثقل بالانتظار. إنه إيحاء بخواء الوجود المادي من كل حلول، يكاد يغادر المكان السلام والأمل. غير أن المساحة خلف أقدام السعاة، تغدو نهر ألوان، ينسحب خلف رحيل المؤمنين، وقد بدا على جنباته لهيب نار يرتفع، فكأنما الأرض بكلها، تتوق للرحيل وقد أثقلت بكل موت غريب.
فمن قال أن لا حلول للكون في الأشياء، ومن قال أن تكوين المادة التي تجيز لنا تشكيلها كما نشتهي، يجعلها معدومة الروح؟!
فالروح ليست مجرد حركة في قدمين تنتقل، والروح ليست امتداداً في لحم وعظم ينموان.
بل هي تناسق وتبادل هارموني، وتداخل أبعاد، ترفض فض الانسجام، لأن كل تبدل في الوظائف، قد يؤدي إلى سقوط.
وإن كان الحجر يتماسك عمراناً، ليحتوي من وما يحتمي فيه، وإن كان النبات والشجر يتجدد طاقة، تساند غيرها على الاستمرار.
فإن على كل من في هذا الكوكب، أن يبحث عن خلاص، وألا يكون الخلاص على حساب سواه، بل ينبغي أن يكون خلاصاً كلياً، ينجو بكل مكونات كوكبنا الغشيم. لأن النتيجة تنعكس موحدة في تغيرات الحي والجماد، وبالتالي لا حل إلا في نقاء وتجرد، يعيد العلاقة السليمة بين عناصر هذا الكون الأربعة والتي جسدها دلال في عمله ( كنيسة القيامة) المشبع بالروحانيات:
- هواء تمثل بلون أسود في مدخل العمل.
- تراب تجوف عمقاً، ينهار عن جدران أطلت على هواء داكن.
- ماء يسيل خطوطاً لونية من نصف اللوحة إلى طرفها السفلي.
- نار على ضفتي العمل، تطهر وتعقم ما تخلف من دنس في المكان.
أخيراً: هل تمثل لوحة دلال صرخة احتجاج على فراغ عدمي أحدثته مساعي الإنسان المادية لإفراغ الأرض من علاقتها بالسماء؟!
الـدكـتـور عـمـر سـعـيـد شـبـلـي | كاتب وباحث واستاذ جامعي