يُعد مفهوم المعاهدة الدولية حجر الزاوية في بنية القانون الدولي العام، إذ يمثل الأداة الأساسية التي تعبر من خلالها الدول عن إرادتها في إنشاء التزامات قانونية متبادلة. غير أن هذا المفهوم لم يكن ثابتًا عبر الزمن، بل شهد تطورًا تدريجيًا من مقاربة شكلية – إسمية إلى مقاربة وظيفية – موضوعية، تعلي من إرادة الالتزام على حساب التسمية أو الشكل. ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة عند مقاربة اتفاقات ذات طبيعة إشكالية، مثل اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل (2022)، الذي أُبرم من دون توقيع ثنائي مباشر وبوساطة دولية. بدايةً، قبل اعتماد اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لسنة 1969، كان القانون الدولي العرفي هو الإطار الناظم لمفهوم المعاهدة، وقد ميّز الفقه الكلاسيكي، لا سيما في المدرسة الوضعية الأوروبية، بين أنواع متعددة من الصكوك الدولية (1)، مع ميل إلى إعطاء التسمية وزنًا قانونيًا في تحديد طبيعة الالتزام (2). غير أن هذا التمييز الشكلي واجه انتقادات متزايدة، خصوصًا بعد الحرب العالمية الثانية، حيث أفرزت الممارسة الدولية أشكالًا مرنة من الاتفاقات (تبادل رسائل، محاضر متفق عليها، مذكرات تفاهم) أدت فعليًا إلى إنشاء التزامات قانونية، رغم افتقارها إلى الشكل التقليدي للمعاهدة (3). وقد ساهمت هذه الممارسة في دفع الفقه نحو تبني معيار الإرادة المشتركة بدل معيار الصيغة. من هنا، شكلت اتفاقية فيينا لعام 1969 نقطة تحول حاسمة، إذ اعتمدت تعريفًا وظيفيًا جامعًا للمعاهدة، فقد نصّت المادة 2 فقرة ا-أ على أن المعاهدة هي اتفاق دولي يُبرم بين دول ويخضع للقانون الدولي، سواء أدرج في صك واحد أو أكثر ومهما كانت تسميته. يتبيّن من هذا النص أن المشرع الدولي تعمّد إلغاء أي أثر قانوني للتسمية، مركزًا بدلًا من ذلك على ثلاثة عناصر وهي وجود اتفاق بين دول وخضوعه للقانون الدولي وتعبير الأطراف عن إرادة الالتزام. ويُستكمل هذا التوجه بالمادة 11 من الاتفاقية، التي تعدد وسائل التعبير عن الرضى بالالتزام، دون حصرها بالتوقيع، لتشمل القبول، التصديق، التبادل، أو "أي وسيلة أخرى متفق عليها"(4)، وهذا ما يُضعف أي ادعاء بضرورة التوقيع كشرط تكويني. في كل الاحوال، يذهب الفقه الحديث إلى أن المعاهدة ليست قالبًا شكليًا، بل علاقة قانونية تنشأ عن توافق إرادتين أو أكثر. ويعبر أنطوني أوست عن هذا الاتجاه بقوله إن المعاهدة هي ما تقوله الدول أنها تريد أن تكون معاهدة، بغض النظر عن الشكل (5). ويعزز القضاء الدولي هذا المنحى، فمثلًا اعتبرت محكمة العدل الدولية في قضية قطر - البحرين (1994) أن محضر اجتماع موقع بالأحرف الأولى، تضمن التزامات واضحة، يُعد اتفاقًا دوليًا ملزمًا، رغم ادعاء أحد الأطراف أنه لا يشكل معاهدة بالمعنى التقليدي (6). كما شددت المحكمة في قضية بحر إيجه (1978) على أن العبرة هي لوجود التزام قانوني مقصود، لا للشكل أو التسمية (7). أما بالنسبة للاتفاقات الدولية غير المسماة، انبثق عن هذا التطور مفهوم الصكوك التي لا تحمل تسمية "معاهدة"، لكنها تنتج آثارًا قانونية دولية. ويُدرج الفقه ضمن هذه الفئة تبادل الرسائل الدبلوماسية، المحاضر المتفق عليها، مذكرات التفاهم ذات الطابع الملزم، الاتفاقات المبرمة بوساطة طرف ثالث... ويؤكد الفقيه الشهير إيان براونلي أن التمييز بين المعاهدة والاتفاق غير المسماة هو تمييز غير منتج قانونيًا متى ثبت قصد الالتزام (8). وتكمن أهمية هذا المفهوم في منع الدول من التحايل على القواعد الدستورية الداخلية أو الدولية عبر تفريغ الاتفاق من تسميته. بعد هذه المقدمة الطويلة، يمكن ان يتيح هذا الاطار النظري حسن فهم اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل (2022) بوصفه اتفاقًا دوليًا غير مسمى بالمعنى التقني، لكنه معاهدة بالمعنى الوظيفي. فالغياب المتعمد للتوقيع أو التسمية لم يمنع تبادل رسائل رسمية متطابقة عبر وسيط دولي، وإيداع مضمون الاتفاق لدى الأمم المتحدة، كما بدء التنفيذ العملي (أنشطة الاستكشاف والاستخراج). وبالتالي، فإن محاولة نفي صفة الاتفاقية عن هذا النص استنادًا إلى اعتبارات شكلية تتعارض مع التطور المستقر في القانون الدولي العام. في هذه الدراسة، نسأل ونجيب على كثير من الاسئلة القانونية والواقعية المطروحة ونتناول بالتالي مسألة ترسيم الحدود بين لبنان واسرائيل باختصار في أربعة نقاط أساسية وهي التالية :
أولًا، الترسيم البحري قبل اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار 1982 وحالة لبنان - إسرائيل
يخطئ التحليل القانوني الذي ينطلق من فرضية أن ترسيم الحدود البحرية بين الدول لم يصبح ممكنًا أو مشروعًا إلا بعد اعتماد اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار عام 1982 (UNCLOS)(9)، فالترسيم البحري سبق هذه الاتفاقية بعقود طويلة، واستند إلى قواعد عرفية مستقرة كرستها الممارسة الدولية وأكدها القضاء الدولي. ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في حالة لبنان-إسرائيل، حيث يُستعمل أحيانًا غياب اتفاق صريح قبل 1982 أو عدم انضمام إسرائيل إلى UNCLOS مثلًا كذريعة للطعن في مشروعية أي ترسيم. منذ بدايات القرن العشرين، بدأت الدول الساحلية تدرك ضرورة تنظيم الامتدادات البحرية المقابلة لسواحلها، خصوصًا مع تطور الملاحة واستغلال الموارد الطبيعية، وقد برز في هذا السياق مبدآن أساسيان، مبدأ السيادة على البحر الإقليمي (3 أميال ثم توسع لاحقا)، ومبدأ الامتداد الطبيعي للإقليم البري نحو البحر. وقد عالج الفقه هذه المسألة قبل أي تقنين شامل، معتبرًا أن البحر ليس فضاءً مباحًا بالكامل، بل مجالًا قابلًا للتقسيم وفق معايير الإنصاف والجغرافيا (10). من هنا، برز مبدأ خط الوسط (11) كحل عملي لترسيم الحدود البحرية بين الدول المتقابلة أو المتجاورة، وقد استخدم هذا المبدأ على نطاق واسع في الاتفاقات الثنائية قبل 1982، خصوصًا في أوروبا وأميركا اللاتينية. ويُعرف خط الوسط بأنه الخط الذي تكون كل نقطة عليه متساوية البعد عن أقرب نقاط من سواحل الدولتين، غير أن هذا المبدأ لم يُعتبر قاعدة جامدة، بل قرينة أولية قابلة للتعديل مراعاةً لظروف خاصة، وهو ما ميزه عن المقاربات الميكانيكية اللاحقة (12). لا بد من التذكير هنا أن القضاء الدولي شكل المصدر الأبرز لتكريس قواعد الترسيم البحري قبل 1982، وتُعد قضية الجرف القاري لبحر الشمال (1969) نقطة مفصلية، إذ رفضت محكمة العدل الدولية اعتبار خط الوسط قاعدة عرفية ملزمة بذاتها، مؤكدةً أن الترسيم يجب أن يتم وفق مبادئ عادلة، مع الأخذ في الاعتبار جميع الظروف ذات الصلة (13)، وقد أرست المحكمة بذلك ثلاث قواعد أساسية، ألا وهي، لا وجود لقاعدة هندسية مطلقة، الإنصاف هو المعيار الحاكم، والجغرافيا عنصر حاسم لكن غير حصري. والجدير بالذكر انه قبل 1982، لم يقتصر الترسيم قبل UNCLOS على القضاء، بل شمل عددًا كبيرًا من الاتفاقات الثنائية والتحكيمية، أبرزها التحكيم الأنغلو - فرنسي (1977) بشأن الجرف القاري في القنال الإنكليزي، اتفاقات بحر الشمال بين ألمانيا وهولندا والدانمارك. وقد أكدت هذه السوابق تحديدًا أن الترسيم البحري عمل قانوني تعاقدي، ولا يتطلب إطارًا أمميًا جامعًا، ويمكن أن يتم حتى في ظل نزاعات سياسية أو تاريخية (14). أما في شرق المتوسط، كانت معظم الدول الساحلية تعتمد ممارسات عرفية مستندة إلى خط الوسط المعدل، وقد أبرمت اتفاقات بين اليونان وتركيا (ولو جزئيًا)، كما تفاهمات تقنية غير منشورة بين دول المشرق. أما لبنان، فكان يتمتع بساحل واضح المعالم، مستقيم نسبيًا، ما يجعله من الناحية الجغرافية مرشحًا طبيعيًا لتطبيق خط الوسط في أي ترسيم بحري، سواء قبل أو بعد 1982. في الرجوع الى حالة لبنان-إسرائيل، فانه قبل اعتماد UNCLOS، لم يكن ثمة ما يمنع لبنان وإسرائيل، من حيث المبدأ القانوني، من ترسيم حدودهما البحرية استنادًا إلى مبدأ خط الوسط وقواعد الإنصاف والامتداد الطبيعي للساحل. وعليه، فإن الادعاء القائل أن الترسيم البحري بين الطرفين لم يكن ممكنًا أو مشروعًا قبل 1982 هو ادعاء غير دقيق من الناحية القانونية، بل على العكس، فإن غياب الترسيم الرسمي طوال هذه الفترة يعود إلى اعتبارات سياسية وأمنية، لا إلى فراغ قانوني. وهذا الاستنتاج له أثر بالغ لاحقا"، إذ يثبت أن الترسيم البحري ليس وليد UNCLOS فقط، ولا يرتبط بالاعتراف المتبادل أو بالسلام، بل يقوم على قواعد موضوعية قابلة للتطبيق حتى في ظل حالة العداء.
ثانيًا، من الخط 23 إلى الخط 29 والتحليل القانوني لموقف لبنان وإمكاناته البحرية بين القانون والواقع
باختصار كلي، اعتمد لبنان رسميًا الخط 23 في المرسوم رقم 6433/2011 تاريخ الاول من تشرين الاول 2011 (15) واودعت هذه الاحداثيات لدى الأمم المتحدة استنادًا الى المادة 75 من UNCLOS، باعتباره حده الجنوبي للمنطقة الاقتصادية الخالصة، وقد شكل هذا الخط، من منظور القانون الدولي، موقفًا قانونيًا رسميًا للبنان (16)، يترتب عليه آثار مهمة، أبرزها تثبيت مطالبة قابلة للاحتجاج بها دوليًا، وإنشاء قرينة قبول ضمني ما لم يتم تعديلها صراحة (17). لكنه استند إلى دراسة تقنية أولية أُعدت في سياق زمني ضاغط نسبيًا بعد اكتشافات الغاز في شرق المتوسط، وهذه الدراسة اعتمدت نقطة انطلاق من رأس الناقورة، لكنها لم تطبق بصورة كاملة منهج الترسيم ثلاثي المراحل الذي أصبح معيارًا في اجتهاد المحاكم الدولية بعد قضية رومانيا ضد أوكرانيا (2009) (18)، وهذا المنهج، الذي أصبح معيارًا عرفيًا، فسر المادتين 74 و83 من UNCLOS وحدد كيفية تطبيقهما عمليًا. بالمقابل، أعادت الدراسة اللاحقة التي أعدتها مديرية الشؤون الجغرافية في الجيش اللبناني (2019–2020) احتساب نقطة الأساس البرية بدقة أكبر، وفق تفسير أكثر صرامة للحدود الدولية البرية، وأدت إلى الخط 29 (19) الذي يمتد جنوب الخط 23 بنحو 1430 كلم2 اضافية تقريبًا ويشمل جزءًا من حقل كاريش، بمعنى ان الخط 29 يعكس تطبيقًا أكثر تطابقًا مع منهج الترسيم الدولي الحديث مقارنة بالخط 23. من المهم التوضيح أن إعداد المرسوم 6433/2011 تم في سياق غياب هيئة وطنية متخصصة بترسيم الحدود البحرية، ومحدودية الخبرة اللبنانية في هذا المجال آنذاك، وضغط سياسي لتثبيت الإحداثيات بسرعة لمواجهة الإيداعات الإسرائيلية. هذا يتوافق مع ما تشير إليه الأدبيات الدولية بأن الدول الصغيرة غالبًا ما تطور مقارباتها التقنية تدريجيًا بعد بناء خبرة مؤسساتية (20). أكثر توضيحًا، لم تكن الدراسة التي أنتجت الخط 29 متوفرة عام 2011، بل ظهرت نتيجة عمل تقني متراكم، ومراجعة معمقة لنقطة الأساس البرية، كما تحليل أحدث للاجتهادات الدولية، وهذا أمر طبيعي في تطور النزاعات البحرية. كخلاصة، لم يعتمد لبنان منذ البداية المقاربة التقنية الأكثر استفادة لمصالحه، والتي لم تتبلور إلا لاحقًا مع تطور التحليل التقني. في تشرين الأول 2020 (21)، خلال مفاوضات الناقورة التي انطلقت برعاية الأمم المتحدة ووساطة أميركية، فاجأ الوفد اللبناني الجانب الإسرائيلي بطرح الخط 29. بالنسبة لإسرائيل، كان الخط 29 توسعًا كبيرًا جنوبًا ويشمل جزءًا من حقل كاريش ويغير نقطة الأساس البرية بطريقة ترفضها إسرائيل قانونيًا، فإسرائيل اعتبرت أن لبنان لم يعدل رسميًا مرسومه وبالتالي الخط 29 ليس موقفًا قانونيًا رسميًا مودعًا، بل طرح تفاوضي جديد. لذلك رفضته عمليًا، واعتبرته خروجًا عن إطار "اتفاق الإطار" الذي أعلنه رئيس مجلس النواب نبيه بري في 1 تشرين الأول 2020 (22). بكل الاحوال، إن قابلية الدفاع عن الخط 29 لا تعني حتمية التحصيل، فترسيم الحدود البحرية هو في نهاية المطاف عملية تفاوضية-قضائية، تتأثر بقوة بتوازن القوى، وباستعداد الأطراف للذهاب إلى التحكيم أو القضاء. اذا افترضنا ان لبنان أصر رسميًا على الخط 29 وعدل مرسومه عام 2021، لكان سيواجه أحد السيناريوات التالية : تجميد المفاوضات بالكامل، أو تصعيد أمني حول كاريش، أو ضغوط دولية عليه باعتباره غيّر قواعد اللعبة. أما الاتفاق النهائي عام 2022، فلقد جاء نتيجة توازن دقيق بين حاجة إسرائيل لاستخراج الغاز بأمان، وحاجة لبنان لبدء استثمار قانا، كما رغبة الولايات المتحدة في منع التصعيد في شرق المتوسط. ولكن سؤال يسأل: لماذا قبل لبنان بالخط 23 في اتفاق 2022؟ بالجواب المختصر المباشر لأن القرار لم يكن قانونيًا فقط، بل سياسي -استراتيجي أكثر واقعية وحصل لبنان مقابل ذلك على كامل حقل قانا، واعتراف عملي بحقوقه شمال الخط 23، وإزالة النزاع في منطقة قابلة للاستثمار. في المقابل، لو أصر على الخط 29، كان يمكن أن تتوقف المفاوضات، أو يتأخر استخراج الغاز لسنوات طويلة، أو يتطلب الأمر نزاعًا قضائيًا طويلًا وغير مضمون.
ثالثًا، الطبيعة القانونية لاتفاق لبنان-إسرائيل 2022 في القانون الدولي العام
بين غياب التوقيع وقيام الالتزام الدولي، يُثير اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل لعام 2022 إشكالية قانونية محورية تتجاوز مسألة الحدود ذاتها، لتطال طبيعة الصك القانوني الذي أُنجز: هل نحن أمام معاهدة دولية بالمعنى الكامل، أم أمام ترتيب تقني أو تفاهم سياسي غير ملزم ؟ وتتفاقم هذه الإشكالية بسبب غياب التوقيع الثنائي المباشر، واعتماد آلية الوساطة وتبادل الرسائل، ما استخدم حجةً لنفي الصفة الاتفاقية عن النص. لذلك، يهدف هذا التوسيع إلى تفكيك هذه الإشكالية في ضوء قواعد القانون الدولي العام، بعيدًا عن القراءات السياسية أو الدستورية الداخلية التي سيجري تناولها مستقبلًا في دراسة قانونية مستقلة. بالنسبة الى مسألة غياب التوقيع في ضوء اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، لا تُعد الكتابة أو التوقيع شرطًا جوهريًا لقيام المعاهدة في القانون الدولي العام، فقد اعتمدت اتفاقية فيينا لعام 1969 مقاربة مرنة، تُركز على تعبير الدولة عن رضائها بالالتزام بدل الشكل الإجرائي. وتنص المادة 11 من الاتفاقية على أن رضى الدولة بالالتزام بالمعاهدة يمكن التعبير عنه بالتوقيع أو بتبادل الصكوك أو بالتصديق أو بالقبول أو بالإقرار أو بالانضمام، أو بأي وسيلة أخرى متفق عليها. يستنتج من هذا النص أن التوقيع ليس وسيلة إلزامية، وتعدد الوسائل يعكس أولوية الإرادة، والاتفاق على وسيلة بديلة يُنتج الأثر نفسه (23). تحديدًا، اعتمد اتفاق 2022 آلية تبادل رسائل متطابقة بين كل من لبنان وإسرائيل، أُودعت لدى الأمم المتحدة عبر وسيط دولي (الولايات المتحدة الاميركية)، وقد كرست محكمة العدل الدولية منذ عقود مبدأ مفاده أن تبادل الرسائل الرسمية يمكن أن يُنشئ التزامًا دوليًا متى تضمن وضوحًا في الالتزامات، وقصدًا صريحًا بالالتزام، وصدور الرسائل عن سلطات مختصة. في قضية قطر ضد البحرين (1994)، اعتبرت المحكمة أن محضر اجتماع ورسائل لاحقة شكلت معاهدة ملزمة، رغم إنكار أحد الأطراف لذلك، مؤكدة أن العبرة ليست للتسمية أو الشكل، بل لنية الأطراف كما تتبدى من النص والسياق (24). كما أودع مضمون اتفاق ترسيم الحدود البحرية لدى الأمم المتحدة، تطبيقًا للمادة 102 من ميثاقها، التي تشترط تسجيل المعاهدات والاتفاقات الدولية. ورغم أن التسجيل ليس شرطًا للنفاذ، إلا أنه يشكل قرينة على اعتبار الأطراف للصك اتفاقًا دوليًا، وعنصرًا يعزز الشفافية والاحتجاجية الدولية (25). ويؤكد الفقه أن دولة لا تقدم على إيداع صك لدى الأمم المتحدة إلا إذا اعتبرته منشئًا لالتزامات دولية، إذ ان الإيداع يعرضها للمساءلة السياسية والقانونية. أما بالنسبة لبدء التنفيذ، فإنه من أبرز مؤشرات قيام الالتزام الدولي، ففي حالة اتفاق 2022 امتنعت إسرائيل عن العمل جنوب الخط المتفق عليه، وبوشر الاستكشاف في حقل قانا وفق الترتيبات الجديدة، والتزم الطرفان بالخط كحد فاصل عملي. وقد استقر القضاء الدولي على أن التنفيذ الطوعي يُعد دليلًا قويًا على وجود اتفاق ملزم، حتى في حال غياب استكمال بعض الشكليات (26). بالاضافة الى ما سبق، يندرج اتفاق لبنان-إسرائيل 2022 ضمن فئة الاتفاقات الدولية غير المسماة التي تناولها الفقه الحديث، لا سيما في مجال ترسيم الحدود، وقد أكدت محكمة العدل الدولية مرارًا أن الاتفاقات الحدودية تتمتع بطابع خاص من الاستقرار والديمومة، ولا تتأثر بسهولة بالطعون الشكلية (27)، وهذا المبدأ يضعف أي محاولة لنفي الصفة الاتفاقية بحجة الوساطة أو عدم التوقيع المباشر، إذ إن الغاية الأساسية في الترسيم هي تحقيق اليقين والاستقرار. أما بالنسبة للرد على حجة "الترتيب التقني غير الملزم"، فتجدر الاشارة الى أن بعض المعارضين يذهب إلى توصيف اتفاق 2022 كـ "ترتيب تقني" أو "تفاهم سياسي"، غير أن هذا التوصيف يصطدم بعدة عناصر أهمها أن الاتفاق حدد خطًا بحريًا ذا أثر سيادي، ورُبط بحقوق استغلال الموارد الطبيعية، كما أودع لدى الأمم المتحدة، ونُفذ عمليا" من الطرفين. وهي عناصر لا تجتمع عادة" في التفاهمات السياسية غير الملزمة. ويؤكد براونلي أن الصك الذي يُنشئ أو يعدل وضعا" إقليميا" لا يمكن اعتباره غير ملزم إلا بنص صريح (28). كخلاصة وبالاحرف الواضحة، يعد اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل لعام 2022 ، في ضوء القانون الدولي العام، اتفاقًا دوليًا ملزمًا، رغم غياب التوقيع الثنائي المباشر، فقد توافرت فيه عناصر الرضى، والوضوح، والتنفيذ، والإيداع الدولي، وهي عناصر كافية لتوصيفه كمعاهدة بالمعنى الوظيفي.
رابعًا، أثر النزاع المسلح وحرب 2023–2024 على استمرار اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل
في ضوء قواعد القانون الدولي العام وقانون المعاهدات، أعادت حرب 2023–2024 بين إسرائيل و"حزب الله" طرح سؤال قانوني دقيق يتجاوز البعد السياسي والعسكري، ويتمحور حول مدى استمرار اتفاق ترسيم الحدود البحرية لعام 2022 في ظل اندلاع نزاع مسلح واسع النطاق بين طرفي الاتفاق. هنا تطرح أسئلة عديدة، فهل يؤدي مثلًا النزاع المسلح تلقائيًا إلى سقوط الاتفاق، أم يبقى الاتفاق قائمًا ما لم يُنه وفق آليات قانونية محددة؟ وهل لطبيعة الاتفاق (كونه غير مسمى أو غير موقع بالنسبة للبنان) أي تأثير على استمراريته؟ لا بد للإجابة من العودة إلى المبادئ المستقرة في القانون الدولي العام، ولا سيما تلك المتعلقة بعلاقة النزاعات المسلحة باستمرار الالتزامات الدولية. بدايةً، ان القاعدة العامة في القانون الدولي تقضي بأن النزاع المسلح لا يُنهي الاتفاقات تلقائيًا، وقد استقر الفقه الدولي الحديث على مبدأ أساسي مفاده أن اندلاع النزاع المسلح، سواء كان دوليًا أو غير دولي، لا يؤدي بحد ذاته إلى إنهاء أو تعليق جميع الاتفاقات الدولية القائمة بين أطراف النزاع. وقد عبرت محكمة العدل الدولية عن هذا الاتجاه في أكثر من مناسبة، معتبرة أن العلاقات القانونية بين الدول لا تزول تلقائيًا بمجرد نشوب نزاع مسلح (29) ويُعد هذا المبدأ تطورًا مهمًا مقارنةً بالفقه الكلاسيكي الذي كان يربط الحرب بإنهاء شامل للعلاقات القانونية. بالنسبة للفقه الدولي، فانه يميز بين فئات مختلفة من الاتفاقات عند تقييم أثر الحرب عليها، بدءًا من الاتفاقات التي تسقط أو تُعلق بطبيعتها وهي الاتفاقات التي تفترض علاقات سلمية، أو تعاونًا وثيقًا بين الدول (كالاتفاقات التجارية أو الثقافية)، وهذه الاتفاقات قد تُعلق أو تُجمد بفعل النزاع. بالنسبة للاتفاقات التي تبقى نافذة رغم النزاع، تشمل هذه الفئة اتفاقات الحدود، اتفاقات الهدنة، اتفاقات ترسيم المناطق البرية أو البحرية، والاتفاقات المتعلقة بالوضع القانوني للأراضي، ويُجمع الفقه على أن اتفاقات الحدود تتمتع بطابع دائم واستثنائي. وقد أكدت محكمة العدل الدولية أن استقرار الحدود هو مبدأ أساسي في النظام الدولي، ولا يجوز تعريضه لتقلبات النزاعات (30). بالنسبة لاتفاقات ترسيم الحدود كاتفاقات ذات طبيعة عينية (Objective Regime)، يصنف فقهاء القانون الدولي اتفاقات ترسيم الحدود ضمن ما يُعرف بـالنظم القانونية الموضوعية (Régimes objectifs)، أي ترتب أوضاعًا قانونية عينية، لا ترتبط فقط بإرادة الأطراف الآنية، بل تستهدف الاستقرار الدولي. ويرى بروسبر ويل أن اتفاقات الحدود تُنشئ وضعًا قانونيًا دائمًا يتجاوز العلاقة الثنائية بين الأطراف (31). وبالتالي، فإن النزاع المسلح لا يُسقط هذه الاتفاقات إلا إذا نُقضت صراحةً وبآلية قانونية واضحة. أما السؤال الذي يطرح هنا، ما هو موقع اتفاق ترسيم 2022 ضمن هذا التصنيف؟ يندرج اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل لعام 2022 بوضوح ضمن اتفاقات تحديد المجال البحري، المرتبطة بالسيادة والاختصاص، ذات الأثر الدائم غير القابل للتجزئة. وحتى وإن وصف بأنه اتفاق تقني أو ترتيب غير مسمى، فإن طبيعته الموضوعية تجعله أقرب إلى اتفاقات الحدود بالمعنى الكامل. وقد أشار دوبوي إلى أن العبرة ليست لتسمية الاتفاق بل لوظيفته القانونية (32). واقعيًا، هل أدت حرب 2023–2024 إلى إنهاء الاتفاق؟ من الناحية القانونية الدولية، لا يوجد إعلان رسمي من أي من الطرفين بإنهاء الاتفاق، كما ليس هنالك إخطار وفق المادة 65 من اتفاقية فيينا، ولا ادعاء قانوني بوقوع خرق جوهري مرتبط مباشرة بموضوع الترسيم، وعليه، يبقى الاتفاق قائمًا ونافذًا من منظور القانون الدولي العام. من الناحية العملية ورغم العمليات العسكرية، استمر احترام الخط البحري المرسوم، ولم يتم التعرض لمنطقة كاريش بعد الاتفاق، وكما يتبين هنالك استمرار للاطار التقني المتعلق باستثمار الموارد. وهذا السلوك برأينا، يُعد قرينة على استمرار الاعتراف العملي بالاتفاق. بكل الاحوال ورغم غياب إعلان سياسي واضح، فإن إسرائيل لم تعلن انسحابها من الاتفاق، ولم تطعن بشرعيته، ولم تعد فتح ملف الترسيم، وفي القانون الدولي، يُعد الصمت المقترن بالسلوك المتطابق قرينة قبول (33). بالنسبة للبنان، هل يمكن له التذرع بالحرب لإعادة النظر بالاتفاق ؟ من حيث المبدأ النزاع المسلح لا يشكل سببًا قانونيًا تلقائيًا للإنهاء، ولا يُعد تغيرًا جوهريًا في الظروف (rebus sic stantibus) إلا بشروط صارمة جدًا. وقد شددت محكمة العدل الدولية على أن مبدأ تغير الظروف يُفسر تفسيرًا ضيقًا ولا يجوز التوسع فيه (34). نهايةً، نخلص الى اعتبار أن النزاع المسلح لا يُنهي اتفاقات ترسيم الحدود تلقائيًا، واتفاق ترسيم 2022 يتمتع بطبيعة قانونية موضوعية ودائمة، كما أن حرب 2023–2024 لم تُسقط الاتفاق لا قانونيًا ولا عمليًا، كما استمرار السلوك المتطابق للطرفين يؤكد بقاء الاتفاق قائمًا.
1-Traités, Conventions, Accords, Protocoles…
2-Oppenheim Lassa, International Law, Vol. I, 8th ed., London, 1955, p. 877
3- Rousseau Charles, Droit international public, Tome I, Paris, 1970, p. 45
4-Vienna Convention on the Law of Treaties, 1969, Arts. 2 & 11
5-Aust Anthony, Modern Treaty Law and Practice, Cambridge, 2013, p. 15
6-ICJ, Qatar v. Bahrain, Jurisdiction, Judgment of 1 July 1994
7-ICJ, Aegean Sea Continental Shelf, Judgment of 19 Dec. 1978
8-Brownlie Ian, Principles of Public International Law, Oxford, 2008, p. 612
9-The United Nations Convention on the Law of the Sea - UNCLOS
10-Colombos John, The International Law of the Sea, London, 1962, p. 87
11-Median Line
12-McDougal & Burke, The Public Order of the Oceans, Yale, 1962, p. 593
13-ICJ, North Sea Continental Shelf, Judgment of 20 Feb. 1969
14-Charney & Alexander, International Maritime Boundaries, Vol. I, Martinus Nijhoff, 1993, p. 45
15-خلال عهد رئيس الجمهورية ميشال سليمان (2008-2014) مع حكومة الرئيس نجيب ميقاتي بناء" على اقتراح وزير الاشغال العامة والنقل غازي العريضي
https://www.un.org/depts/los/LEGISLATIONANDTREATIES/PDFFILES/lbn_2011decree6433.pdf
16-Position juridique officielle
17-Shaw Malcom, International Law, Cambridge, 2017, p. 486
18-ICJ, Maritime Delimitation in the Black Sea (Romania v. Ukraine), Judgment, 2009
19- وثائق الوفد اللبناني وتقارير مديرية الشؤون الجغرافية، الجيش اللبناني، 2020 https://www.lebarmy.gov.lb/ar/content/%D8%AE%D8%B7%D9%88%D8%B7-%D9%88%D8%AD%D9%82%D9%88%D9%82
20- Robert Kolb, The Law of Maritime Delimitation, Hart Publishing, 2019, p. 45
21- بيانات الامم المتحدة حول انطلاق مفاوضات الناقورة، تشرين الاول 2020
22-تصريح رئيس مجلس النواب حول "اتفاق الاطار"، 1 تشرين الاول 2020
https://www.lp.gov.lb/ContentRecordDetails?id=30432
23- Vienna Convention on the Law of Treaties, 1969, Art. 11
24-ICJ, Qatar v. Bahrain, Jurisdiction, Judgment of 1 July 1994
25-UN Charter, Art. 102; Aust, Modern Treaty Law and Practice, Cambridge, 2013, p. 295
26-ICJ, Cameroon v. Nigeria, Judgment of 10 Oct. 2002
27-ICJ, Burkina Faso v. Mali, Judgment of 22 Dec. 1986
28-Brownlie, Principles of Public International Law, Oxford, 2008, p. 694
29-ICJ, Case Concerning Armed Activities on the Territory of the Congo, Judgment, 2005, para. 263
30-ICJ, Frontier Dispute (Burkina Faso/Mali), Judgment, 1986, para. 20
31-Prosper Weil, Le droit international en quête de son identité, Paris, 1992, p. 112
32-Dupuy & Kerbrat, Droit international public, Paris, 2018, p. 458
33-Brownlie, Principles of Public International Law, Oxford, 2008, p. 616
34-ICJ, Gabcíkovo–Nagymaros Project, Judgment, 1997, para. 104
محـام جنائي دولي وأستاذ جامعي