تنويه منهجي
هذا النص لا يناقش أنظمة سياسية، ولا اصطفافات إقليمية، ولا خيارات عسكرية. إنما يتناول حصراً صورة الإمام المهدي في الوعي الشيعي المعاصر، ويسائل بعض التأويلات التي تُقدَّم باسمه، من داخل المنظومة العقدية والفقهية للإمامية الاثني عشرية، وبالاستناد إلى تراثها الكلامي والاجتهادي.
الغيبة: نفيٌ للسلطة لا تفويضٌ لها
تشكل الغيبة الكبرى أحد أعمدة العقيدة الإمامية، لا بوصفها فراغاً في القيادة، بل بوصفها غياباً مقصوداً يحمل دلالة أخلاقية ومعرفية عميقة. فبانتهاء الغيبة الصغرى ووفاة السفير الرابع، صدر النصّ المعروف الذي أغلق باب النيابة الخاصة بشكل نهائي، نافياً أي ادعاء بالتمثيل أو التفويض عن الإمام في زمن الغيبة. هذا الإغلاق لم يكن إجراءً تنظيمياً، بل موقفاً عقدياً حاسماً: لا معصوم بعد المعصوم، ولا سلطة مقدّسة في غيابه. ومن هنا، فإن الغيبة لا تبرّر ملء الفراغ بحكّام، ولا تمنح شرعية تلقائية لأي سلطة تدّعي العمل “نيابة” عن الإمام.
حدود الاجتهاد والنيابة
في الفقه الإمامي، يتمتع الفقيه المجتهد بسلطة علمية ناتجة عن ملكة الاجتهاد، لا عن تفويض إلهي. هذه السلطة بشرية، غير معصومة، ظنية في نتائجها، وقابلة للنقد والمراجعة. لم يقل التراث الإمامي المعتبر بوجود نائب عام للإمام بالمعنى التمثيلي أو التفويضي المطلق. وأي توسّع في مفهوم النيابة، بحيث يتحول إلى سلطة فوق المساءلة أو النقد، يخرج من دائرة الفقه إلى مجال التوظيف الأيديولوجي، ويصادر فلسفة الغيبة بدلاً من حمايتها.
الإمام المهدي: أفق عدالة لا وظيفة سياسية
في المدونة الإمامية، يُقدَّم الإمام المهدي بوصفه وعداً إلهياً بإقامة القسط، لا مشروع حكم يُدار بالوكالة. حضوره العقدي هو حضور رمزي–أخلاقي، لا حضوراً إدارياً أو تنفيذياً عبر أشخاص غير معصومين. إن تحويل الإمام الغائب إلى مرجعية قرار يومي، أو إلى مصدر شرعنة لخيارات بشرية، ينقله من موقع الرمز الأخلاقي إلى موقع الوظيفة السياسية، وهو انتقال لا تدعمه النصوص، ويتعارض مع منطق الغيبة ذاته الذي نُفيت فيه العصمة عن كل سلطة زمن الغياب.
الانتظار: مسؤولية أخلاقية لا تعبئة دائمة
الانتظار في التراث الإمامي ليس حالة سكون، ولا حالة تعبئة مفتوحة، بل موقف أخلاقي يقوم على العدل، وحفظ النفس، ورفض الظلم، وتحمل المسؤولية الفردية. لا توجد في الروايات المعتبرة دعوة إلى تعليق القيم باسم التمهيد، ولا إلى تقديس الموت، ولا إلى تحويل الإنسان إلى وسيلة في مسار يُفترض أنه ينتهي بالعدل. فالعدل الذي يُنتظر لا يمكن أن يُبنى على الاستهانة بالحياة، ولا على تبرير القسوة، ولا على إلغاء كرامة الإنسان الحاضر باسم خلاصٍ مؤجَّل.
إشكالية التحدث باسم الإمام
من أخطر الانزلاقات المعاصرة الادعاء الضمني أو الصريح بفهم “إرادة الإمام” أو “مشروعه”، واستخدام ذلك لإسكات الاعتراض، أو تحريم السؤال، أو تجريم المراجعة. فقهياً وكلامياً، لا توجد آلية معرفية تتيح لأي فرد أو مؤسسة الادعاء بأنها الناطق غير المباشر باسم الإمام المهدي. الإمام الغائب، في فلسفة الغيبة، هو مانع لاحتكار السلطة لا ذريعة لها. واستدعاء اسمه لتكريس قرارات بشرية هو انقلاب على الغاية التي غاب من أجلها.
الإمام والإنسان: أيهما في الخدمة؟
السؤال الجوهري الذي تطرحه هذه القراءة ليس سياسياً، بل أخلاقي–عقدي:
هل تُستخدم صورة الإمام المهدي لحماية الإنسان وكرامته، أم يُستخدم الإنسان لخدمة صورة مُؤدلجة عنه؟ في الوعي الإمامي الأصيل، الإمام المهدي هو وعد بالخلاص من الظلم، لا مبرّر لإنتاجه. وهو أفق للكرامة، لا أداة تعبئة. وكل خطاب يُفرغ الإنسان من قيمته باسم الإمام المنتظر، هو خطاب يناقضه من حيث يدّعي الانتماء إليه.
خاتمة
الإمام المهدي ليس ملكاً لأحد، ولا مشروع سلطة مؤجّل، ولا غطاءً لقرارات دنيوية. هو رمز عدالة غائبة، لا حاكم بالنيابة. والوفاء الحقيقي له لا يكون بادعاء تمثيله، بل بصيانة المعنى الذي قامت عليه غيبته: نفي القداسة عن السلطة، حماية الإنسان، فتح باب السؤال، وانتظار العدل من دون أن ندمّر قيمه قبل ظهوره.
ولأجل ضبط المصطلحات الواردة في هذا النص ضمن أطرها العقدية والفقهية، لا بد من الإشارة إلى ما يأتي:
1. الغيبة الكبرى في العقيدة الإمامية ليست انقطاعاً عن الهداية، بل انقطاعاً عن السلطة المعصومة المباشرة، وهي آلية لمنع احتكار الحكم باسم العصمة بعد غياب الإمام.
2. النيابة الخاصة أُغلقت بنصّ صريح بعد وفاة السفير الرابع، إغلاقاً نهائياً متفقاً عليه. أما ما يُسمّى بالنيابة العامة فهو توصيف اجتهادي لوظائف محدودة، لا تمثيل شخصي للإمام ولا تفويض مطلق باسمه.
3. الاجتهاد عملية بشرية قائمة على الأدلة الظنية، يُفترض فيها التعدد والاختلاف، ولا تنتج قداسة ولا تعلو على النقد.
4. العصمة صفة حصرية بالأنبياء والأئمة، ولا تنتقل بالنيابة ولا بالوظيفة؛ وكل سلطة في زمن الغيبة غير معصومة وخاضعة للمساءلة.
5. الانتظار التزام عملي بالعدل، ورفض الظلم، وحفظ النفس، لا تعليقاً للأخلاق ولا برنامج تعبئة دائمة.
6. التمهيد لا يرد في النصوص الإمامية المعتبرة بوصفه تبريراً للعنف أو إلغاءً لقيمة الإنسان، وأي قراءة من هذا النوع قراءة إسقاطية لا نصّية.
7. الإمام المهدي في الفكر الإمامي أفق عدالة إلهية مؤجّلة، لا مرجعية قرار يومي، ولا مشروع حكم بالوكالة، واستدعاؤه يجب أن يبقى في إطار الإيمان والأخلاق لا شرعنة السلطة.