في مدينةٍ تعرف كيف تُضيء ليلها بالمعنى قبل الزينة، أطلقت جمعية «طرابلس حياة» فعاليات «ليالي رمضان» في معرض رشيد كرامي الدولي، فكان المشهد أشبه بوعدٍ جماعي بأنّ طرابلس، كلّما اجتمعت على الخير، استعادت صورتها التي تُحبّ.
منذ الخطوات الأولى في باحات المعرض، بدا المكان وكأنه يستعيد ذاكرته: عائلات تتقاطر، أطفال يركضون بين الأضواء، وروائح المأكولات الرمضانية تختلط بنغمات الأناشيد. لم تكن الأمسية مجرّد افتتاح نشاطٍ موسمي، بل مساحة لقاءٍ بين المدينة وأهلها، بين الروح والفرح، وبين مبادراتٍ مدنية تؤمن بأنّ الثقافة الاجتماعية قادرة على ترميم ما تُتعبه السياسة والاقتصاد.
حضور متنوّع من النواب والشخصيات الدينية والاجتماعية أعطى الانطلاقة بُعدها الجامع، في رسالةٍ واضحة أنّ طرابلس حين تتوحّد حول قيمها، تتقدّم على الانقسامات. وفي كلمةٍ له لصحيفة «نداء الوطن»، شدّد النائب اللواء أشرف ريفي على أنّ «هذه المهرجانات تعبّر عن صورة طرابلس الحقيقية، مدينة التعايش والإيمان».
بدوره، لفت مفتي طرابلس والشمال الشيخ محمد إمام إلى أنّ «رمضان شهر الخير الذي يجمع الجميع على المحبة، وهذه هي طرابلس التي نعرفها مدينة التلاقي»، مؤكدًا أنّ روح الشهر الفضيل تتجسّد في مثل هذه المبادرات الجامعة التي تعيد إبراز وجه المدينة الإنساني والروحي.
وفي تصريحٍ خاص لـ«نداء الوطن»، أكدت رئيسة جمعية «طرابلس حياة» السيدة سليمة أديب ريفي أنّ «طرابلس حياة وُجدت لأنّ طرابلس تُحبّ الحياة وتفتح قلبها للجميع»، شاكرةً المشاركين والحضور وكلّ من ساهم في إنجاح إطلاق «ليالي رمضان»، ومختتمةً بتحية «رمضان مبارك على الجميع».
كما كانت كلمات لكلٍّ من الصحافي أسعد بشارة والسيدة ريما جلول الحسيني، والنقيب شادي السيد، حيث شدّد المتحدّثون على أهمية المبادرات الاجتماعية والثقافية في إبراز الوجه الحقيقي لطرابلس وتعزيز حضورها كمدينةٍ للحياة والانفتاح، ما أضفى على الأمسية دفءً ومعنى إضافيًا.
نداء الوطن حاضرة:
وشاركت «نداء الوطن» في تغطية الأمسية، فأجرت مقابلات مع عددٍ من الحضور الذين نوّهوا بالأجواء الرمضانية الجامعة، ولا سيما في تزامن الصوم لدى الطوائف الإسلامية والمسيحية، بما يعكس صورة طرابلس كمدينة الانفتاح والعيش المشترك.
وفي هذا السياق، بدا معرض رشيد كرامي أكثر من موقعٍ جغرافي؛ بدا رمزًا لمدينةٍ تريد أن تعود مركزًا للحركة، للثقافة، وللاقتصاد الاجتماعي. الجمعية المنظّمة حرصت على أن تكون «ليالي رمضان» تجربة متكاملة: زوايا للأطفال، عروض فنية وإنشادية، وأنشطة تعكس تنوّع المدينة.
الأجمل في الأمسية كان الإحساس العام بأنّ المدينة قادرة على خلق الفرح بمواردها الذاتية، وأنّ المجتمع الأهلي، حين يتقدّم، يفتح نوافذ الأمل. «ليالي رمضان» لم تُقدَّم كحدثٍ استعراضي، بل كدعوة لاستعادة العيش المشترك في أبسط صوره: لقاء، تبادل، وتشارك في فضاء عام آمن ومفتوح.
ومع انطلاق الليلة الأولى، بقيت حرارة الناس وحديثهم حاضرة في المكان. كأنّ المعرض، الذي شهد على مراحل من تاريخ المدينة، يستقبل اليوم فصلًا جديدًا عنوانه: المجتمع حين يبادر. وهنا تكمن قيمة المبادرة؛ فهي لا تُعيد إحياء موقع فحسب، بل تُعيد تفعيل العلاقة بين الناس وفضائهم المشترك.
بهذا المعنى، أطلقت «طرابلس حياة» أكثر من «ليالي رمضان». أطلقت فكرة تقول إنّ المدينة التي تُحبّ نفسها تستطيع أن تُجمّل أيامها حتى في أصعب الظروف. ومن على أرض المعرض، ارتفعت حكاية إلى السماء: طرابلس ما زالت قادرة على الفرح حين يجتمع أهلها على الضوء.