لم تعد حجة "الظرف الاستثنائي" تقنع أحدًا. المشكلة في لبنان اليوم ليست في تأجيل تقني محدود إذا فرضته القوة القاهرة، بل في محاولة الرئيس نبيه بري تحويل هذا الظرف إلى فرصة سياسية لتمديد عمر منظومة تعرف أن الانتخابات لم تعد مريحة لها، وأن البلد لم يعد كما كان.
الرئيس نبيه بري لا يدفع نحو السنتين حرصًا على الديمقراطية، بل لأنه يدرك أن الديمقراطية هذه المرة قد تأتي بنتيجة لا تناسبه. ما يقلقه ليس فقط موعد الانتخابات، بل ما قد تكشفه الانتخابات: تبدّل في المزاج العام، تراجع في فعالية الخوف، واهتزاز في المعادلة التي حمت طويلًا توازناتٍ قام جزء أساسي منها على فائض قوة خارج الدولة. لذلك لا تبدو السنتان حلًا تقنيًا، بل محاولة واضحة لشراء الوقت قبل أن تتحول التحولات الصامتة إلى وقائع سياسية يصعب احتواؤها داخل المجلس.
الصورة تصبح أوضح مع كلام النائب إلياس بو صعب من عين التينة، في ما بدا ترجمة مباشرة لإرادة بري نفسه. فعندما لا يكتفي بتبرير التمديد لسنتين، بل يربطه بتعديل قانون الانتخاب ويفتح الباب على عناوين من نوع "تطبيق الطائف كاملًا"، ينكشف المقصود الحقيقي: ليس فقط تأجيل انتخابات، بل فتح بازار سياسي واسع من داخل مجلس ممدَّد له. هنا يسقط الادعاء بأن المطلوب مجرد إجراء تقني، لأن من يربط التمديد بإعادة بحث قواعد اللعبة لا يحمي الاستحقاق، بل يصادره.
هذه هي وظيفة السنتين: إبقاء الوضع معلّقًا إلى أن تُعاد صياغة شروط التفاوض. بري يعرف أن المرحلة تغيّرت، وأن سلاح حزب الله لم يعد ينتج الهيبة السياسية نفسها، وأن الكلفة الوطنية للمغامرات الخاسرة بدأت تضرب في صورة المنظومة التي وفّرت الغطاء أو استفادت من بقائها. لذلك يريد إبقاء المجلس كما هو، والتوازنات كما هي، والبلد داخل مهلة معلّقة ريثما تنضج تسوية تعوّض في السياسة ما يتراجع في موازين القوة.
لكن ما لا يحق لبري ولا لغيره أن يفعله هو تحويل الخوف إلى آلية حكم. لا يحق له أن يطلب من اللبنانيين الصمت سنتين إضافيتين لأن المنظومة تخشى الامتحان الشعبي. ولا يحق له أن يفتح نقاشًا في تعديل النظام فيما الدولة نفسها ما زالت منقوصة السيادة، والسلاح ما زال بيد فصيل خارج عن القانون. أي إصلاح يُطرح في ظل هذا الخلل ليس إصلاحًا، بل إعادة توزيع نفوذ تحت الضغط. وأي تعديل في قواعد اللعبة يفقد شرعيته عندما يُدار من مجلس يمدّد لنفسه بدل أن يعود إلى الشعب.
من هنا، يصبح طرح القوات اللبنانية هو الطرح الوحيد الذي يحترم الحد الأدنى من المنطق الدستوري والسياسي. ستة أشهر عند الضرورة القصوى تعني أن الاستثناء يبقى استثناء، وأن الدولة تأخذ هامشًا تقنيًا إذا اضطرت، من دون أن تتحول إلى رهينة منظومة تريد تأجيل لحظة المحاسبة. أما السنتان فتعنيان شيئًا واحدًا: الهروب من الناس قبل أن تقول الناس كلمتها.
لهذا، السنتان ليستا حلًا، بل اعترافًا مقنّعًا بالخوف من الناس. والستة أشهر ليست تفصيلًا، بل الحد الفاصل بين تمديد تفرضه الضرورة وتمديد تفرضه مصلحة المنظومة.
قد يمرّ القانون بالأرقام، لكنه سيمرّ موسومًا بمعناه الحقيقي: تمديد خوف، لا تمديد ضرورة. وسيبقى واضحًا من وقف عند الحد الأدنى الذي تفرضه المصلحة الوطنية، ومن طلب الحد الأقصى الذي تفرضه مصلحته السياسية. هنا تحديدًا، ثبّتت القوات اللبنانية المعنى الصحيح للنقاش: لا يحق لمنظومة مأزومة أن تسرق من اللبنانيين سنتين إضافيتين كي تؤجل لحظة الحقيقة.
في النهاية، لن تكون القضية من نجح في جمع الأصوات داخل المجلس، بل من كشف أمام اللبنانيين حقيقة ما يجري: هناك من أراد حماية الشرعية ولو بالحد الأدنى، وهناك من أراد حماية نفسه من الشرعية.