رنا شمص

صواريخ بكفالة ماليّة: كيف تتآكل هيبة الدولة في زمن الحرب

5 دقائق للقراءة

في بلدٍ ينهار اقتصادياً ويعيش تحت وطأة الحرب، صدر حكم عن المحكمة العسكريّة يقضي بالإفراج عن ثلاثة عناصر من حزب الله بعد محاكمتهم بجرم حيازة ونقل أسلحة غير مرخّصة، مقابل كفالة ماليّة لا تتجاوز مليوناً وتسعمئة ألف ليرة لبنانية عن كل عنصر. مبلغ بالكاد يوازي اليوم مخالفة سير متوسّطة، لكنّه في المقابل أصبح كافياً لإقفال ملف يتعلّق بنقل صواريخ وسلاح حربي.

ليست القضيّة مجرد حكم قضائي عابر. إنها مشهد مكثّف يختصر الأزمة اللبنانيّة بأكملها. فحين تصبح عقوبة نقل الصواريخ أخفّ من عقوبة مخالفة سير، فإنّ الرسالة التي تصل إلى اللبنانيين والعالم واضحة: السلاح الخارج عن سلطة الدولة لم يعد فقط أمراً واقعاً، بل أصبح أيضاً محصّناً إلى حدّ كبير من المحاسبة.

الأخطر أنّ هذا الحكم يأتي في لحظة تاريخيّة حسّاسة، حيث يعيش لبنان في ظل مواجهة مفتوحة مع إسرائيل، وسط خطر دائم مع توسّع الحرب. في مثل هذه الظروف، يفترض أن يكون السلاح والقرار العسكري حصراً بيد الدولة، وأن تكون المؤسّسات الرسميّة وحدها المرجعيّة في إدارة الأمن والحرب.

لكن الواقع اللبناني يسير في اتجاه معاكس تماماً.

دولة بسلاحين وقانونين

منذ سنوات طويلة، يعيش لبنان تحت معادلة خطيرة: دولة رسميّة تعاني ضعفاً بنيوياً، وقوّة عسكريّة حزبيّة تمتلك ترسانة كبيرة من الصواريخ والأسلحة الثقيلة. هذه الازدواجيّة لم تعد مجرّد نقاش سياسي داخلي، بل تحوّلت إلى واقع يفرض نفسه على المؤسسات كافة.

قرار المحكمة العسكريّة الأخير يعكس هذا الواقع بوضوح. فبدلاً من أن يكون القضاء العسكري أداة لحماية سيادة الدولة، بدا وكأنّه يتعامل مع ملف نقل الصواريخ كما لو أنّه مخالفة إدارية يمكن تسويتها بكفالة مالية.

والنتيجة أنّ الرسالة التي تصل إلى اللبنانيّين واضحة: هناك سلاح لا يخضع فعلياً للمعايير نفسها التي يخضع لها بقية المواطنين.

سلاح خارج القانون

إن جوهر المشكلة لا يكمن فقط في هذا الحكم، بل في المسألة الأعمق المرتبطة بطبيعة السلاح الموجود خارج إطار الدولة. فالسلاح الذي لا يخضع لسلطة المؤسسات الشرعية ولا لقرارها العسكري يصبح عملياً سلاحاً خارج القانون، حتى لو كان يحمل شعارات سياسية أو مقاومة.

وفي هذه الحالة تحديداً، فإن السلاح الذي يمتلكه حزب الله لا يخضع لسلطة الدولة اللبنانية، ولا لقراراتها العسكرية أو القضائية. وهو ما يجعل وجوده في موقع قانوني إشكالي يتعارض مع مبدأ احتكار الدولة للسلاح.

فالدولة التي لا تستطيع أن تفرض قانونها على السلاح داخل حدودها تتحوّل تدريجياً إلى دولة هشّة تتآكل هيبتها يوماً بعد يوم، فيما تنتقل القوة الفعلية خارج مؤسساتها.

ما يزيد خطورة القضية هو ما تسرّب عن ضغوط كبيرة مورست على المحكمة العسكرية للإفراج عن العناصر وتسليم منصّات الصواريخ التي كان الجيش اللبناني قد ضبطها. وإذا صحّت هذه المعلومات، فإنّنا نكون أمام مشهد يتجاوز مجرّد قرار قضائي.

حين يصبح القضاء عرضة لضغوط سياسية أو أمنية في قضايا تتعلّق بالسلاح، فإنّ ذلك يضع هيبة الدولة نفسها على المحك. فالقضاء ليس مجرد مؤسّسة إداريّة، بل هو الركيزة الأساسية لأي دولة قانون.

وفي اللحظة التي يُشعَر فيها بأن بعض الأطراف أقوى من القانون، تبدأ فكرة الدولة نفسها بالتآكل.

العالم يراقب لبنان اليوم بدقّة. المجتمع الدولي، الذي يضغط منذ سنوات لتطبيق القرار الدولي قرار مجلس الأمن 1701، يرى في مثل هذه الأحكام دليلاً إضافياً على عجز الدولة اللبنانية عن فرض سلطتها على كامل أراضيها.

هذا العجز لا يبقى مسألة داخلية فحسب، بل يتحوّل إلى عنصر أساسي في المعادلة الإقليميّة. فحين تبدو الدولة غير قادرة على ضبط السلاح داخل حدودها، يصبح من السهل على إسرائيل تبرير جزء كبير من عملياتها العسكرية داخل الأراضي اللبنانية بحجّة استهداف منصّات الصواريخ.

وهكذا يجد لبنان نفسه عالقاً في معادلة خطيرة: سلاح خارج الدولة من جهة، وضغط عسكري خارجي متزايد من جهة أخرى، فيما الدولة نفسها تبدو الحلقة الأضعف.

وسط هذه المعادلة القاسية، يبقى اللبنانيون الحلقة الأضعف. فالقصف والتدمير من جهة، وانهيار الاقتصاد من جهة أخرى، والخوف من إستمرار الحرب يخيّم على البلاد.

ومع ذلك، لا يبدو أنّ هناك نقاشاً جدّياً داخل السلطة حول جوهر المشكلة: أي مسألة احتكار الدولة للسلاح.

بل على العكس، تتكرّس تدريجياً معادلة الأمر الواقع. معادلة يصبح فيها السلاح الثقيل جزءاً من المشهد السياسي، وتتحول فيها قضايا الصواريخ إلى ملفات يمكن إقفالها بإجراءات شكليّة.

إن أخطر ما في هذا المسار ليس فقط ما حدث في هذه القضية تحديداً، بل ما قد يحدث بعدها. فحين يشعر أي طرف مسلّح بأنّ القانون لا يطاله فعلياً، فإنّ ذلك يفتح الباب أمام مزيد من التفلّت ويقوّض ما تبقّى من مفهوم الدولة.

لبنان اليوم يقف أمام خيارين واضحين: إما أن تستعيد الدولة دورها الطبيعي كمرجعيّة وحيدة للسلاح والقرار العسكري، وإما أن يستمر الإنحدار نحو نموذج الدولة الهشّة التي تعيش تحت ظلّ قوى مسلّحة موازية.

الحرب كشفت بوضوح مدى هشاشة البنية السياسية والأمنية في البلاد. لكنّها كشفت أيضاً حقيقة أكثر قسوة: لا يمكن لأي بلد أن يواجه حرباً خارجيّة بينما يعيش انقساماً داخلياً في السلاح والسلطة والقرار.

القضيّة إذن ليست قضيّة ثلاثة عناصر أُفرج عنهم بكفالة ماليّة. القضية هي قضيّة دولة كاملة تبدو عاجزة عن فرض قانونها عندما يتعلّق الأمر بالسلاح الأقوى فيها.