في هذه الحلقة الثانية يروي العميد المتقاعد نزار عبد القادر تفاصيل المواجهة التي حصلت في شوارع بيروت مع الموساد الإسرائيلي في 10 نيسان 1973 ويكشف سر حقيبة كمال عدوان التي احتوت أسرار الشبكات الفلسطينية في داخل فلسطين. ويكشف كيف بدأت حرب المخيمات في أيار 1973 وكيف انتهت. ويحكي عن الفرق بين العميد جول بستاني وسلفه العميد غابي لحود في مديرية المخابرات. ويتحدث عن تفاصيل عملية محاولة تفجير يخت الملكة أليزابيت التي خطّط لها العقيد الليبي معمر القذافي وكلّف عناصر فلسطينية تنفيذها.
- عندما تشكّلتَ إلى المخابرات قابلتَ العميد جول بستاني؟ ماذا طلب منك؟
كنت أعرفه. عندما كنت تلميذ ضابط كان يعلّمني "إستطلاع". كان ضابط مدرعات وكان يعرِفني وهو اختارني وجابني عالمخابرات. جئت لعنده أعرفه ويعرفني وتوجد ثقة بيننا.
- كيف تقارن بينه وبين العميد غابي لحود؟
غابي لحود كان أستاذي في الحربية. كان يعلّم BALISTIC (علم القذائف) وهو علم دقيق. وهو مختلف كلّيًا عن جول بستاني. جول كان عمره 50 عامًا عندما أتى إلى المخابرات كان ضابطًا ناجحًا مثقفًا عنده رأيه ولديه شجاعة أدبية خارقة. إضافة إلى خدمته في الجيش اللبناني خدم أيضًا في القيادة العربية الموحّدة في القاهرة. إنسان منفتح عنده رأي وشجاعة خارقة جدًّا يمكن أن تتحاور معه بسهولة كاملة. غابي لحود كان منضبطًا ومثقفًا ولكنه كان بطيئًا ليكون مدير مخابرات. غيري قد لا يكون من هذا الرأي. ولكنه نجح لأنّ الظروف كانت مساعدة له.
- هل ظُلِم ضباط المكتب الثاني في المحاكمة؟
أكيد ظُلِموا. نحن كضباط تعلّمنا أن نكون في جيش يعيش في ظلّ نظام ديمقراطي. ننفذ ما تريده الدولة سواء كنا في وحدات مقاتلة أو في المخابرات.
- ما أبرز العمليات التي كشفت عندما كنت في المخابرات؟ ما قصة عملية يخت الملكة أليزابيت؟
"أليزابيت الثانية" كان أهمّ مركب سفر للركاب في المحيط الأطلسي. استأجره يهود في نيويورك وقرّروا أن ينقلوا 622 من أكبر أثرياء أميركا ومثقفيها من اليهود في رحلة من نيويورك إلى حيفا. كانت إسرائيل قد اسقطت طائرة ركاب مدنية ليبية فوق قناة السويس. العقيد معمر القذافي أراد أن يأخذ بالثأر وبدأ البحث عن جهة تقوم بهذه المهمة ووجدها في "الجبهة الشعبية - القيادة العامة" بقيادة أحمد جبريل. عرض عليهم القيام بعملية ضد "كوين أليزابيت" لقاء 30 مليون دينار (ليبي) كما ظهر في التحقيق لاحقًا. اتفقوا وبدأو البحث عن طريقة لتنفيذ العملية وكان على أساس أنها ستحصل في الممر المائي بين مالطا وليبيا. لم نكن على علم بذلك. ولكن أثناء الاشتباكات مع الفلسطينيين في أيار 1973 كنت طلبت من الجيش عندما يوقفون اشخاصًا عليهم علامات استفهام أن يخبرونا. قالوا لي إنهم أوقفوا سيارة مرسيدس 190 على حاجز السفارة الأميركية (في عين المريسة) على البحر فيها خمسة أشخاص ومعهم في الصندوق علب بلاستيك كبيرة كلها أشرطة (vario prop) جهاز يستعمل لتطيير الطائرات. طلبت إرسالهم إلى الشرطة العسكرية وأرسلت دورية أحضرتهم. أحضرنا ضباط إلكترونيك واتصالات وضباط بحرية لنسألهم عن هذه المعدّات فلم يعرِفوا. لم أقتنع. بقي عندي شكّ. عندما لم نتمكّن من بناء فرضية التحقيق، كان معي سهيل خوري وفؤاد الأشقر، قلت لهما لاحظت أن أحد الخمسة أردني يقول إنه يصلِّح تلفزيونات يعني أنه خبير إلكتروني، والأربعة من غزة يعني لهم علاقة بالبحر. اشتغلنا على هذه الفرضية. أوّل واحد بدأنا نأخذ منه معلومات كان اسمه عدنان من عشيرة أردنية اعترف أنه نفذ مع مجموعة في مطار روما عملية على طائرة إسرائيلية وضعوا فيها عبوة انفجرت ولكن لم تقع الطائرة لأن العبوة كانت في كونتينر حديد محمي في الشحن. توسّعنا في التحقيق واكتشفنا أنهم طوّروا "لنش" سريع يتحكّمون به بمعدّات الـ vario prop ويوجّهونه لمسافة ميلين أو 3 كلم. أين اللنش؟ طلع في مرفأ السمك شمال شرق بيروت. نزلنا كمشنا المركب وعملوا لنا تجربة عليه واعترفوا بالعملية. ماذا سنفعل؟ نحن دولة صغيرة ولا يمكننا أن نفعل شيئًا. سألت جول بستاني: ماذا سنفعل؟ قال: شو بدنا نزايد على القذافي؟ نظم ملفًا نعطيه للمخابرات المصرية وهم يتصرّفون. مصر دولة كبرى. وهذا ما حصل. استفاد من هذا الأمر الرئيس أنور السادات. ولكنه لم يحكِ القصة كما هي حتى يشهِّر بالقذافي. قال إن القذافي أراد أن يستأجر منه غواصة مصرية ليضرب الـ "كوين أليزابيت". لا يوجد غواصة. لنش محمّل بـ 500 كيلو "تي أن تي" يتمّ تحريكه من مركب أكبر لمسافة 2 ميل.
- شاركتَ في التصدّي للكوماندوس الإسرائيلي في عملية فردان في 10 نيسان 1973. كيف عرفتم بالعملية وقت حصولها؟
كنت تلك الليلة نائمًا في البيت. الساعة الواحدة بعد منتصف الليل اتصل بي ضابط معنا في المكافحة. العميد سيف الدين فهمي ضابط قبضاي. قال لي: سيدنا في اشتباكات في فردان يظهر أن حرس القيادات الفلسطينية علقانين مع بعض خلّيني إنزل شوف. قلت له: انتبه ما تصيبك رصاصة. قال سينزل ويعاود الاتصال بي. عاد واتصل وقال إن الفرقة 16 تدخلت وحصل اشتباك بينهم وبين الفرقة 16 وهناك قتلى وجرحى من الطرفين ثم غاب عني. أيقظت مدير المخابرات جول بستاني وأبلغته بما سمعت. سألني: قولك مش اليهود عاملين عملية؟ قلت له: معقول. هو استفاد من معلومات لم تكن لدي. حصلت عمليتان واحدة في الدورة وواحدة في الأوزاعي ومعنى ذلك أنهم أرادوا إلهاء القوى الأمنية في أكثر من مكان ونفذوا عمليتهم في النقطة الأساسية لاغتيال القيادات الفلسطينية. قال لي: شو عندك فوق؟ قلت له: عندي فصيلة. قال إعمل لها إنذارًا ولاقيني عالمخابرات. في هذا الوقت اتصل بي مجدّدا سيف الدين فهمي وقال لي: أنا أصبت وموجود في المستشفى العسكري وقد وصلت الآن وهؤلاء هم إسرائيليون. وقد تبادل إطلاق النار مع إسرائيلي واشتبك معهم. توجّهت فورًا إلى القيادة. قسمنا الفصيلة فريقين كل واحد أخذ فريقًا. البستاني أخذ فريقًا واتجه نحو راس بيروت وأنا أخذت فريقا وتوجّهت نحو الأوزاعي. بعد العودة من الأوزاعي وصلت إلى الرملة البيضا وجدت 5-6 سيارات أميركية كان استأجرها الإسرائيليون. وقفنا وفتشنا وعرفنا أنهم إسرائيليون وانسحبوا عبر البحر لأننا استطعنا تتبّع الدم وصولًا إلى المياه. كان معهم جرحى. أهم شيء في السيارات أننا وجدنا حقيبة سمسونايت.
- ما قصّة هذه الحقيبة؟
اعتقدنا أنها إسرائيلية. أحضرناها وفتحناها في المخابرات طلعت حقيبة كمال عدوان أحد القادة الثلاثة الذين اغتالوهم. أبو يوسف النجار وكمال ناصر وكمال عدوان. عدوان كان مسؤولًا عن كل مجموعات المقاومة في الداخل الفلسطيني وكل الأسرار عنده. ووجدنا معه ميزانية مفصّلة لكلّ فصائل المقاومة الفلسطينية والأهداف منها. في تلك الأيام كانت موازنة الجيش أقل من 200 مليون. كانوا راصدين 400 مليون لتحصين المخيمات الفلسطينية في لبنان. لم يعرفوا أن الحقيبة عندنا صاروا يعطون تعليمات للذين في الداخل ليختبئوا ولكن المعلومات لم تكن عند الإسرائيليين.
- بقيت معكم؟ لم تردّوها لهم؟
لا
- بعد عملية فردان تمّ تحميل الجيش وقيادته المسؤولية. هل كان هذا الأمر محقًا؟ وماذا كان الجيش قادرًا أن يفعل أكثر من ذلك؟
هذه العمليات تحصل أينما كان. تكون مفاجئة. عمليات مخابراتية.
- حصلت بعدها اشتباكات أيار؟
مئة في المئة
- هل كان الجيش قادرًا على الحسم ضد المخيمات الفلسطينية؟ حصلت عمليات على الأرض ثم توقفت. لماذا؟
في أيار 1973 اشتبك الجيش مع الفلسطينيين من دون أي استعداد. كيف بدأت القصة؟ خُطِف رقيب أول على كورنيش المزرعة وكان يشتري سندويشًا كان في مأذونية ولا علاقة له بشيء. خطفه الفلسطينيون. طلبت عمليات بيروت استرجاعه لم يتجاوبوا. بدأ الجيش يأخذ ترتيبات على الأرض. أرسلوا سرية مغاوير بإمرة الملازم أول عبدالله ضاهر من طرابلس لتنتشر على جسر الكولا ومدخل الجامعة العربية في الطريق الجديدة فحصل اشتباك معها وأصيب آمر السرية وبدأت الإشتباكات وامتدت إلى كل المناطق اللبنانية. أقفلت سوريا الحدود نهائيًا مع لبنان. الفلسطينيون بدأوا يتمدّدون. تدخل الجيش وخاصة المغاوير الذين سيطروا على ملعب كميل شمعون في المدينة الرياضية وبدأوا التحضير للدخول إلى صبرا والفاكهاني حيث كل القيادات الفلسطينية. أثناء ذلك اجتمع 20 سفيرًا عربيًا مع الرئيس سليمان فرنجية في القصر الجمهوري وقالوا له: أنت تريد تصفية القضية الفلسطينية وهدّدوه بإدانة لبنان في جامعة الدول العربية. الرئيس أعطى أمرًا بوقف العمليات وسحب الجيش وحصلت اجتماعات في أوتيل ملكارت في الرملة البيضا قادها من الجيش اللواء أحمد الحاج وتوصّلنا إلى "اتفاقية ملكارت" التي صارت ملحقة بـ "اتفاق القاهرة" ولم تُطبَّق لا هي ولا "اتفاقية القاهرة". الجيش كان أداؤه قويًا جدًّا ولم يكن هناك خوف من أن ينقسم.
لقراءة الحلقة الأولى من المقابلة يرجى الضغط هنا
يتبع الإثنين 23 آذار 2026
قصة الملف الذي سلّمته لحكمت الشهابي
انشقاق الجيش عام 1976 لماذا لم يعتقل أحمد الخطيب؟
وصل شارون إلى بعبدا فتركت وزارة الدفاع مع شارل أيوب