جويل غسطين

ر.ب. عبّرت عن معاناتها ثم أنهت حياتها

وسائل التواصل حين تصبح وسيلة استغاثة

6 دقائق للقراءة

قبل أسابيع تناولت مواقع التواصل ووسائل الإعلام خبرًا حول فتاة (ر.ب.) أنهت حياتها بعدما كانت تلجأ إلى أحد تطبيقات التواصل للتعبير عن معاناة نفسية واجتماعية. وفي مقطع مصوّر أخير لها، أعلنت بوضوح عن نيّتها إنهاء حياتها وفعلت، لينطلق نقاش حول دور المنصّات الرقمية ومسؤولية جمهورها وتعليقاتهم. فالشابة التي كانت معاناتها واضحة في إطلالاتها، ربّما تكون لجأت إلى حسابها الرقمي لطلب المساعدة بطريقة غير مباشرة من خلف الشاشة. إنما في المقابل، كثيرون من متابعيها تعاملوا مع المحتوى الذي كانت تنشره بوصفه مادة للسخرية والترفيه، بدل اعتباره إشارة خطر تستدعي الانتباه والتدخل.

غيّرت مواقع التواصل جذريًا طريقة تعامل الناس مع الألم الإنساني، على ما تقول الاختصاصية في علم الاجتماع لانا قصقص في حديثها مع "نداء الوطن"، إذ نقلت المعاناة من كونها تجربة شخصية وخاصة إلى مساحة عامة وعلنية، فيما يُعرف اجتماعيًا بـ "تعميم الألم". هذا التحوّل جعل التعبير عن المعاناة أكثر سهولة وانتشارًا، تقول قصقص، لكنه في المقابل خفّض عتبة طلب المساعدة، بحيث بات كثيرون يبوحون سريعًا أمام جمهور واسع قبل الوصول إلى دعم حقيقي أو تدخل فعّال.

وتشير قصقص إلى أنّ هذا النوع من البوح العلني يمنح أحيانًا شعورًا سريعًا بالراحة عبر التعليقات والتفاعل الفوري، لكنه قد يكون دعمًا موقتًا ووهميًا لا يعالج أصل المشكلة. فالحصول على اهتمام لحظي لا يساوي الرعاية النفسية، ولا يغني عن الاحتواء المهني أو الأسري، ما قد يترك الشخص وحيدًا أمام أزمته بعد انحسار التفاعل.


هل اختفى التعاطف؟

ترى قصقص أن منصّات التواصل لم تُلغِ التعاطف الإنساني بقدر ما كشفت هشاشته وانتقائيته. فالتفاعل غالبًا ما أصبح مرتبطًا بـ "الترند" وبطريقة تقديم المحتوى وبمدى قابليته للانتشار. فمن يُحسن صناعة المشهد يحصد الانتباه، بينما قد تمرّ إشارات الاستغاثة الحقيقية من دون استجابة، خصوصًا إذا جاءت ضمن محتوى غير تقليدي أو صادم أو مُربِك للجمهور.

الخبيرة الاجتماعية توضح أنّ التعرّض اليومي المكثّف للمآسي والأخبار الصادمة أدّى إلى ما يُعرف بـ "التعب الرقمي"، حيث يطغى التبلّد العاطفي نتيجة الاستهلاك المستمر، فيتحوّل الألم إلى خبر عابر ضمن سيل المحتوى، وقد يُقابَل أحيانًا بالسخرية كآلية دفاعية أمام كثافة المعاناة. كما تلفت قصقص إلى أنّ أخطر ما أفرزه هذا الواقع هو "تضامن وهمي" قائم على التفاعل الرقمي فقط، عن طريق التعليقات والرموز والمشاركات، من دون أي فعل حقيقي أو مبادرة على أرض الواقع، إذ قد يحظى منشور لشخص يعبّر عن يأسه بتفاعل واسع، من دون أن يقابله تدخل فعلي أو طلب مساعدة جدي.


مسؤولية المنصات والمجتمع

"أي تعبير عن الانتحار أو الأذى النفسي ينبغي أن يُؤخذ على محمل الجد، لا أن يُعامل كمحتوى عابر أو وسيلة لجذب الانتباه"، بحسب لانا قصقص التي تدعو إلى تدخّل متعدد المستويات يشمل أنظمة رصد للمحتوى عالي الخطورة، ومراجعة بشرية سريعة، مع توجيه فوري نحو جهات دعم نفسي محلية وخطوط مساعدة متخصصة بحسب موقع المستخدم.

أما مجتمعيًا، فتشدّد على ضرورة الانتقال من ثقافة المشاهدة إلى ثقافة التدخل الإيجابي عبر تعزيز الوعي بالصحة النفسية، وتعلّم الإصغاء من دون أحكام، وتشجيع الاحتواء وطلب المساعدة من مختصين بدل الاكتفاء بالتعليقات أو السخرية، مؤكدة أنّ الفضاء الرقمي يمكن أن يتحوّل إلى مساحة إنقاذ حقيقية إذا اقترن بالتعاطف والمسؤولية.


الكوميديا للهروب

من ناحية ثانية، تؤكد المعالجة النفسية مايا دبوق أنّ على الجمهور الذي يتابع المحتوى الرقمي أن يمتلك وعيًا وقدرة على التمييز، بحيث لا يكتفي بالتفاعل السطحي أو الضحك، بل ينبغي أن يتساءل عمّا قد يكون خلف التصرّفات غير المألوفة أو الضحك المبالغ فيه. وتشير دبوق إلى أنّ السنوات الأخيرة شهدت توسّعًا كبيرًا في المحتوى الكوميدي على "السوشال ميديا"، لكنّ الضحك لا يعكس بالضرورة حالة من الراحة النفسية، إذ قد يُستخدَم أحيانًا كوسيلة للهروب من واقع مؤلم، أو كآلية دفاعية لتخفيف الوجع الداخلي، وقد يصل إلى حد التخدير النفسي الموقت.

وتضيف دبوق أنّ الفيديوات القصيرة التي لا تتجاوز دقيقة، لا يمكن أن تختصر حياة الشخص أو تعكس حقيقته النفسية بالكامل، خصوصًا أنّ المستخدمين يتنقلون بسرعة بين المحتوى ويستهلكونه بسطحية من دون التوقف عند ما قد يعيشه صاحب المحتوى خارج الشاشة في واقعه الحقيقي.

وفي السياق نفسه، تلفت المعالجة النفسية إلى أنّ الظهور والاختفاء المتكرر على مواقع التواصل قد يكون أحيانًا مؤشرًا إلى أزمات نفسية أو تقلّبات مزاجية، مع التشديد على أنّ التشخيص ليس من مسؤولية الجمهور، إلا أنه يمكن ملاحظة بعض العلامات المقلقة مثل الانقطاع المفاجئ أو الانسحاب بعد فترة من النشاط المستمر، والتي قد تستدعي الانتباه والتفكير بوجود معاناة أعمق. في المقابل، تشدد دبوق على ضرورة التعامل بمنتهى الجدية مع أي تصريح يتعلق بالانتحار أو إيذاء الذات. فالبعض قد يعبّرون بصخب وعلنية، فيما قد يلتزم آخرون الصمت، قبل الانتقال مباشرة إلى الفعل. وفي الحالين، لا يجوز التقليل من أي إشارة أو اعتبارها مجرد محاولة لجذب الانتباه. وتوضح أنّ الشخص الذي قد يستخدم حجة الانتحار طلبًا للانتباه والشهرة، لا يقل معاناة عن الشخص الذي يطلب النجدة بشكل مباشر. فخلف الرغبة في أن يُرى أو يُسمع، غالبًا ثمّة حاجة نفسية حقيقية إلى الاحتواء والدعم. لذلك، كل صرخة وجع، مهما كان شكلها، تستحق الإصغاء والتعامل المسؤول.


من التفاعل إلى الدعم

وترى دبوق أنّ تأثير الجمهور بات كبيرًا على حياة صانعي المحتوى، إذ تترك التعليقات والرسائل الخاصة والتفاعل المستمر أثرًا نفسيًا مباشرًا، سلبًا أو إيجابًا. وكما يتفاعل الناس مع المحتوى الترفيهي، يفترض أيضًا أن ينتبهوا إلى المؤشرات الخطرة التي قد تدل على حاجة الشخص إلى دعم نفسي. وتدعو دبوق إلى تحويل التفاعل الرقمي إلى فعل داعم ومسؤول، من خلال توجيه الأشخاص الذين يعانون إلى جهات مختصة، إضافة إلى الاستفادة من البرامج الوطنية للصحة النفسية، وخدمات الدعم الذاتي، والتطبيقات المتخصصة. كما تؤكد أن هذا الوعي ينبغي أن يبدأ منذ الصغر، داخل المنازل وفي المدارس، عبر تعليم الأفراد احترام معاناة الآخرين، والانتباه إلى إشارات الخطر، وعدم الاستخفاف بالألم النفسي أو تحويله إلى مادة للسخرية.

حادثة انتحار ر. ب. ليست، إذًا، حالة معزولة في فضاء رقمي يزداد فيه حضور الألم النفسي بصيغ علنية وغير محمية. فهي تعكس نمطًا أوسع من التفاعل السريع مع الإشارات الخطرة، مقابل بطء الاستجابة أو غيابها أحيانًا، سواء من الجمهور أو من المنصات. وبين تكرار مثل هذه الحالات وتحوّل المعاناة إلى محتوى يومي، يبقى السؤال الأهم: كم من الإشارات الأخرى تمر أمامنا من دون أن يلتفت إليها أحد، فتتحوّل إلى خبر جديد؟