الفيدرالية في لبنان ليست وجهة نظر تنتظر إجماعاً، إنّها ضرورة البقاء وخيار الوجود الحر للمسيحيين في معقلهم المشرقي الأخير، وبديلها فك الارتباط النهائي؛ تماماً كالحق التاريخي للشعب اليهودي في تقرير المصير.
إنّ قراءة التاريخ بجرأة وتجرّد تفرض علينا الاعتراف بأنّ قيام الدولة اليهودية لم يكن مجرّد حدث سياسي عابر، بل كان ضرورة وجودية قاطعة أملاها واقع الاضطهاد الممنهج الذي عانى منه الشعب اليهودي تاريخياً وصولاً إلى أوروبا. لقد أثبتت التجربة التاريخية المريرة أنّ محاولات استرضاء الآخرين، أو الذوبان في مجتمعات مختلفة ظنًّا أنّ التماهي يحمي الوجود، هو وهم قاتل وسقوط في فخ التبعيّة المرفوضة. رفض الشعب اليهودي منطق الاستجداء، ولم يراهنوا على وعود "الحماية الخارجية والداخلية" التي أثبتت التجارب أنّها مؤقّتة، بل حصلوا على سيادتهم عبر تغيير موازين القوى بصلابة قومية وإرادة ذاتية، وهو سر بقائهم ونجاحهم كقوة رائدة اليوم في العالم.
في المقابل، نجد أنّ الوجود المسيحي في الشرق يلفظ أنفاسه الأخيرة نتيجة غياب مشروع خلاصي مستقبلي يتجاوز منطق البقاء السلبي. ففي العراق، لم يعد للمسيحيين أثر يُذكر بعد أن أُفرغت مدنهم وقراهم التاريخية من سكانها الأصليين وسط صمت دولي وتواطؤ محلي. وفي تركيا وسوريا، تحوّلوا إلى شتات أو جيوب سكانية مبعثرة تواجه خطر المحو الشامل والاندثار الثقافي والجغرافي نتيجة صراعات لا ناقة لهم فيها ولا جمل. أما في لبنان، الذي كان يُفترض أن يكون الحصن المنيع ومعقل السيادة، فقد ضعف الدور المسيحي وتراجع تأثيره بشكل دراماتيكي؛ حيث يواجه اليوم خطر الديموغرافيا الزاحفة التي تهدد توازنه الوجودي، وتكبّله قيود الحكم المركزي التي شلّت قدرته على اتخاذ القرار الحر، وحوّلته من ريادي في قيادة المنطقة إلى مجرد ملحق يبحث عن ضمانات ورقية في معادلات متغيرة.
هذا الواقع المروّع يثبت أنّ الحقوق الطبيعية للشعوب تتحقق عبر التكامل بين رؤية استراتيجية تحوّل الحلم إلى مشروع سياسي معترف به، وعناصر قوّة متعددة الأوجه تدعم هذه الرؤية واقعياً. فالحقوق لا تُمنح كصدقة دولية أو داخلية، بل تتحقق بتقاطع المسارات الاستراتيجية والمصالح المشتركة، ومن خلال إثبات الوجود كحقيقة ثابتة لا يمكن الالتفاف حولها أو إنكارها. إنّها عملية صياغة للهوية والقرار في فضاء لا يعترف إلا بمن يجيدون فرض حضورهم كضرورة حيوية لتقدم الشعوب.
إنّ قيام دولة لمسيحيي الشرق، معقلها الأساسي لبنان، هو ضرورة تفرضها الأسباب الموجبة وماهية الوجود؛ فلبنان يجب أن يكون هو دولة الملجأ والقاعدة الصلبة التي يلجأ إليها ويجتمع فيها مسيحيو الشرق ليتحولوا من شتات مضطهد إلى أمة سيادية. إنّه استحقاق وجودي يفرض الانتقال الجذري من عقلية الاسترضاء إلى عقلية استقلالية تبني دولة متطورة تصبو إلى السلام والازدهار مع محيطها والعالم، وإلّا فإنّ البديل هو التحول إلى مجرد أطلال في كتب التاريخ.