إستال خليل

الموسيقى علاجٌ للقلق ومساحة أمان

5 دقائق للقراءة
الموسيقى أداة داعمة للصحة النفسية

في زمن الحروب والأزمات وما يرافقها من قلق وضغط نفسي، يبحث كثيرون عن وسائل تساعدهم في الحفاظ على توازنهم الداخلي وسط الواقع المضطرب. في هذا السياق، تبرز الموسيقى بوصفها أكثر من مجرّد فن أو وسيلة ترفيه، إذ يمكن أن تتحوّل إلى علاج ومساحة هدوء ولغة للتعبير عن المشاعر عندما تعجز الكلمات.


راحة وطمأنينة

في هذا الإطار يقول المؤلِّف الموسيقيّ والشاعر جوزيف مراد، إن "الموسيقى تكتسب في أوقات الحروب والأزمات أهمية خاصة لأنها تساعد الإنسان على استعادة توازنه الداخلي"، ويوضح في حديث مع "نداء الوطن" أن النغمات "تخاطب الدماغ والعاطفة في آنٍ واحد، وقد أثبتت الدراسات أن الموسيقى تخفض مستوى التوتر وتساعد الجسم على إفراز هرمونات مرتبطة بالراحة والطمأنينة".

بحسب مراد "التجربة الإنسانية البسيطة تؤكد هذا التأثير، إذ يشعر الإنسان عندما يسمع لحنًا جميلًا بأن العالم يصبح أقل قسوة، وقد تتحوّل النغمة في زمن القلق إلى مساحة أمان صغيرة للروح". ويشير إلى أن "الدماغ يتفاعل مع الإيقاع واللحن بطريقة مباشرة، فالموسيقى قادرة على تحريك الذاكرة والمشاعر معًا، وأحيانًا يعيد لحن بسيط، الإنسان، إلى ذكرى جميلة أو لحظة سلام كان قد نسيها".

كما يلفت مراد إلى أن الموسيقى رافقت الإنسان منذ زمن الطبيعة الأولى، شارحًا أنها "كانت حاضرة في حنايا الطبيعة قبل أن يتعلّم الإنسان إنتاجها. فقد شعر الإنسان بالموسيقى من خلال حفيف أوراق الشجر وخرير المياه وغناء الطيور وصوت الرياح".

ويضيف أن "الطب الحديث أصبح قادرًا على قياس تأثيرها في الإنسان، ويمكن رصد التغيرات الفيزيولوجية الناتجة عن الاستماع إلى الموسيقى من خلال تخطيط القلب والدماغ والتنفس وضغط الدم. كما تساعد في بعض الحالات العلاجية، إذ إنها لا تمر عبر الأذن فقط، بل عبر الذاكرة والقلب".

بالنسبة لمراد "الموسيقى تمنح الإنسان لغة بديلة للتعبير عن مشاعره. فالمرء قد يعجز أحيانًا عن التعبير بالكلمات، لكنه باللحن يستطيع قول ما لا يستطيع اللسان أن يقوله".

ويختم المؤلِّف الموسيقيّ والشاعر جوزيف مراد، بالتأكيد أن "الموسيقى في الأزمات ليست ترفًا بل وسيلة للحفاظ على إنسانيّتنا"، مشيرًا إلى أن "الفن قد لا يغيّر الواقع لكنه يمنح الناس لحظات معنى وجمال؛ فكلّ لحن جميل هو إعلان صغير بأن الحياة أقوى من الخوف".


مساحة آمنة

الاختصاصية النفسية والمعالِجة بالموسيقى لينا رياشي، تشرح من جهتها أن "الإنسان في أوقات الحروب والأزمات يدخل في حالة استنفار عصبيّ نتيجة تنشيط الجهاز العصبي المسؤول عن البقاء"، وتوضح لـ "نداء الوطن" أن "الموسيقى تستطيع تنظيم هذه الحالة لأنها تؤثر مباشرة في الجهاز العصبي اللّاإرادي. فالإيقاع المنتظم والتناغم الصوتي يساعدان الجسم على الانتقال تدريجيًّا من حالة القتال أو الهروب منه إلى حالة الهدوء والاستقرار. لذلك يمكن للموسيقى أن تمنح الإنسان مساحةً آمنةً يشعر فيها بالاحتواء وتعيد إليه شيئًا من الاستقرار الداخلي وسط الفوضى الخارجية".

تضيف رياشي أن "تأثير الموسيقى لا يقتصر على الجانب العاطفي فحسب، بل يمتدّ إلى التأثير العصبي والفيزيولوجي في الجسم، إذ تُحفز إفراز نواقل عصبية مثل الدوبامين والسيروتونين المرتبطين بالشعور بالمتعة والراحة، كما تساهم في خفض هرمون الكورتيزول المرتبط بالتوتر والأدرينالين الناتج عن حالة التأهب. لذلك لا تعمل الموسيقى على المستوى العاطفي فقط، بل تساعد أيضًا على تنظيم دقات القلب والتنفس وإعادة التوازن للجسم".

وفي ما يتعلق بالعلاج بالموسيقى، تقول رياشي إن "هذا المجال يعتمد تقنيات متعدّدة لمساعدة الأشخاص الذين يعانون من القلق أو الصدمات. والعلاج قد يعتمد على الارتجال الموسيقي باستخدام آلات بسيطة للتعبير عن المشاعر، أو على التنظيم الإيقاعي الذي يساعد الجسم على استعادة إيقاع التنفس والنبض والعودة إلى الحاضر بعد الصدمة. كما يمكن استخدام الاستماع الموجَّه إلى موسيقى مختارة بعناية، بهدف الاسترخاء واستحضار مشاعر إيجابية، إضافةً إلى الغناء الجماعي الذي يعزز الشعور بالانتماء ويخفف العزلة".

بالنسبة لرياشي "الموسيقى قد تساعد أيضًا في التعامل مع آثار الصدمات المخزنة في الجسد. فالصدمة لا تُخزن في الفكر الواعي فقط بل في الذاكرة الجسدية أيضًا، والموسيقى بما هي لغة غير لفظية تتيح الوصول إلى هذه الطبقات العميقة من اللّاوعي، ما يساعد الشخص على إعادة تنظيم التجربة الصادمة تدريجيًّا واستعادة الشعور بالسيطرة".

يبقى أن "استجابة الإنسان للموسيقى تختلف من شخص إلى آخر تبعًا للعمر والخلفية الثقافية والذكريات المرتبطة بالأغاني"، بحسب رياشي، لذلك "يُختار العلاج وفق الهوية الموسيقية لكل فرد".

باختصار، "لا تقتصر الموسيقى على كونها مجرّد وسيلة للترفيه، فقد أضحت أداة داعمة للصحة النفسية تمنح الإنسان مساحةً للتعبير والتنفس والأمل حتى في أصعب الظروف"، كما تقول الاختصاصية النفسية والمعالِجة بالموسيقى لينا رياشي.

في أوقات الحروب إذًا، قد لا تغيّر الموسيقى الواقع القاسي، لكنها تمنح الإنسان قدرة على الاحتمال ومساحة لالتقاط أنفاسه وسط الضجيج. وبين العِلم الذي يؤكد أثرها في النفس والجسد، والفن والتجربة الشخصية التي يشعر بها كل من يستمع إلى لحن يلامس قلبه، تبقى الموسيقى لغة مشتركة تعيد التذكير بأن الإنسان قادر على التمسك بالأمل حتى في أكثر اللحظات قتامة.




المؤلِّف الموسيقيّ والشاعر جوزيف مراد




الاختصاصية النفسية والمعالِجة بالموسيقى لينا رياشي