تستعدّ إسلام آباد لاستضافة محادثات أميركية - إيرانية مفصلية السبت من شأنها أن تحدّد مصير الهدنة ومدى إمكانية ردم الهوّة بين الشروط الأميركية الحازمة والمطالب الإيرانية التعجيزية. لا تزال الملفات الجوهرية محط خلاف بين الطرفين، إذ تصرّ طهران على التمسّك بتخصيب اليورانيوم، وتشدّد على ضرورة أن يشمل وقف النار لبنان، وتسعى إلى تكريس قرصنتها الإرهابية في مضيق هرمز، في وقت تؤكد فيه واشنطن أن أي اتفاق يجب أن يشمل وقف التخصيب كلّيًا داخل إيران، وأن الملفين اللبناني والإيراني منفصلان، كما تحسم أن حرّية الملاحة في هرمز يجب أن تعود، ما يشي بأن احتمال تجدّد الحرب ما زال واردًا بقوّة.
أكد الرئيس ترامب أنه "متفائل جدًا" بإمكان التوصّل إلى اتفاق مع إيران، لكنه حذر من أنه "إذا لم يبرموا اتفاقًا، فسيكون الأمر مؤلمًا جدًا"، بينما أصدر المرشد الإيراني الأعلى مجتبى خامنئي بيانًا بمناسبة ذكرى مرور 40 يومًا على مقتل والده، أكد فيه أن "إيران لا تسعى إلى حرب، لكنها لن تتنازل عن حقوقها، وفي هذا الإطار، نعتبر جبهة المقاومة بأسرها كيانًا موحّدًا"، متوعّدًا بأنه "لن نسمح قطعًا للمعتدين المجرمين بأن يفلتوا من العقاب، وسنطالب حتمًا بالتعويض... وسنمضي حتمًا في إدارة مضيق هرمز إلى مرحلة جديدة". وتوجّه إلى دول الخليج التي تتعرّض لعدوان إيراني بالقول: "لا نزال ننتظر منكم ردّ فعل مناسبًا لكي نُظهر لكم أُخوّتنا وحسن نياتنا، وهذا لا يمكن أن يحدث ما لم تديروا ظهوركم للقوى المستكبرة".
في الغضون، أغلقت باكستان العاصمة إسلام آباد استعدادًا لاستضافة المحادثات. وكشفت طهران أن إسلام آباد أبلغتها بأن نائب الرئيس الأميركي فانس سيترأس وفد بلاده، مشيرة إلى أنه بناء على ذلك، فإنه من المحتمل أن يترأس الوفد الإيراني رئيس البرلمان قاليباف. وبعدما حذف السفير الإيراني في باكستان منشورًا توقع فيه وصول الوفد الإيراني إلى إسلام آباد أمس، أكدت طهران أنه "في حال تأكيد مشاركتنا في محادثات باكستان سنعلن تركيبة وفدنا المشارك"، موضحة أن مشاركتها في المحادثات "قيد الدرس".
ويأتي ذلك بعدما حسم ترامب أن القوات والأصول العسكرية الأميركية ستبقى متمركزة في مواقعها وحول إيران، إلى أن يجري الامتثال الكامل للاتفاق الحقيقي الذي تمّ التوصّل إليه، محذرًا من أنه "إذا لم يحدث ذلك لأي سبب كان، وهو أمر مستبعد جدًا، فإن إطلاق النار سيبدأ، على نحو أكبر وأفضل وأقوى مِمّا رآه أيّ كان من قبل". وأوضح أنه جرى الاتفاق، "رغم كلّ الخطاب الزائف الذي يقول خلاف ذلك"، على عدم امتلاك إيران أسلحة نووية، وعلى أن يكون مضيق هرمز "مفتوحًا وآمنًا"، فيما أبلغ الأمين العام لحلف "الناتو" روته بعض الدول الأعضاء بأن ترامب يرغب في الحصول على التزامات ملموسة خلال الأيام القليلة المقبلة للمساعدة في تأمين هرمز.
في المقابل، استبعدت منظمة الطاقة الذرية الإيرانية أيّ قيود على برنامج تخصيب اليورانيوم، مدّعية أن "مطالب أعدائنا وشروطهم الرامية إلى تقييد برنامج التخصيب في إيران ليست سوى أحلام يقظة ستدفن". وأعلنت البحرية التابعة لـ "الحرس الثوري" أن السفن التي تمرّ عبر هرمز يجب أن تسلك، بالتنسيق معها، طريقين بديلين في جنوب جزيرة لارك وشمالها قرب الساحل الإيراني، حتى إشعار آخر، مشيرة إلى احتمال وجود "ألغام" على الطريق المعتاد. وأدّى استمرار التهديدات الإيرانية في المضيق إلى بقاء حركة الملاحة عبره أقلّ من 10 في المئة من حجمها قبل الحرب، فيما عبرت ناقلة نفط غير إيرانية المضيق للمرّة الأولى منذ وقف النار. وأكدت طهران ضرورة العمل على بروتوكول لضمان العبور في المضيق مع العُمانيين وربّما مع المجتمع الدولي.
توازيًا، اعتبر الرئيس الإيراني بزشكيان أن اعتداء إسرائيل المتكرّر على لبنان هو "انتهاك صارخ لاتفاق وقف النار الأولي ومؤشر خطر على الخداع وعدم الالتزام بالاتفاقات المحتملة"، محذرًا من أن "مواصلة هذه الاعتداءات ستجعل التفاوض بلا معنى". وأكد أن "أيدينا ستبقى على الزناد". وجزم قاليباف بأن "لبنان وكل محور المقاومة جزء لا يتجزأ" من وقف النار، متوعّدًا بأنه يترتب على "انتهاك بنود وقف النار تكاليف عالية، وردود قوية".
وشدّدت روسيا وباكستان وتركيا وسوريا والاتحاد الأوروبي وبريطانيا وغيرها من الدول، على ضرورة أن يشمل وقف النار لبنان. ولوّحت فرنسا بإعادة طرح تعليق اتفاق الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل. وفي حين أكد ترامب أنه طلب من نتنياهو تخفيف وتيرة الهجمات في لبنان، أصدر نتنياهو تعليماته بفتح مفاوضات مباشرة مع بيروت، لكنه أكد مواصلة القتال حتى إعادة الأمن لسكان شمال بلاده، وتجريد "حزب اللّه" من سلاحه، والتوصّل إلى اتفاق سلام.
في الأثناء، استُهدفت البحرين والكويت بهجمات أمس. وكان وزير الخارجية السعودي قد تلقى اتصالًا هاتفيًا من نظيره الإيراني، هو الأوّل بينهما منذ بدء الحرب، وجرى خلاله "بحث مجريات الأوضاع وسبل الحدّ من وتيرة التوتر بما يسهم في عودة أمن واستقرار المنطقة"، حسب وكالة "واس"، التي أكدت توقف العمليات التشغيلية في عدد من منشآت الطاقة في المملكة بسبب الهجمات الإيرانية، التي حصلت أخيرًا واستهدفت إحدى محطات الضخ على خط أنابيب شرق - غرب، ما أدّى إلى خسارة ما يقارب 700 ألف برميل يوميًا من الإنتاج، فيما قُتل مواطن سعودي وأُصيب سبعة سعوديين آخرين بسبب الهجمات.
وبعدما أصدرت الإمارات الأربعاء موقفًا حازمًا في شأن إيران، حسم المستشار الدبلوماسي للرئيس الإماراتي أنور القرقاش أن "زمن المجاملات قد ولّى، وأصبحت المصارحة ضرورة، وموقفنا الجماعي يجب أن يكون حازمًا وواضحًا تجاه ملامح المرحلة المقبلة"، فيما بحث الرئيس الإماراتي ورئيس الوزراء البريطاني ستارمر في أبو ظبي التطوّرات في المنطقة وتأثيراتها على أمن الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة، في إطار جولة خليجية استهلّها ستارمر من السعودية الأربعاء. وركّز ستارمر في لقائه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان على ضرورة "تثبيت" وقف النار و "تحويله إلى سلام مستدام".
إلى ذلك، صنفت كوستاريكا "الحرس الثوري" و "حماس" والحوثيين منظمات إرهابية، مؤكدة أنها ستعمل "بالتعاون مع شركائها الدوليين على تعزيز التدابير الأمنية لبلادنا لمكافحة تحرّكات الأعضاء المحتملين لهذه الجماعات الذين يتحرّكون في نصف الكرة الغربي".