شوقي سري الدين

تجربة الإسلام اليساري في لبنان: تحالفات متناقضة ونتائج عكسية

5 دقائق للقراءة

هكذا عبر المسلمون عن امتعاضهم وعدم رضاهم عن التحكم المسيحي - الماروني بمكامن السلطة في لبنان بما كان يسمى في حينه بالمارونية السياسية.

ركبوا موجة العروبة والاشتراكية التي كانت سائدة في المنطقة العربية في منتصف القرن الماضي بقيادة مصر والمد الثوري الناصري متسلحين بشعار الدفاع عن القضية الفلسطينية ومحاربة المشروع الصهيوني.

كانت أحداث 1958 التعبير الأول عن حالة عدم الرضا لدى المسلمين في لبنان لتكشف انقسامًا داخليًا لم يكن ظاهرًا للعلن حيث تمترس المسلمون وراء مشروع الوحدة العربية أسوة بالوحدة التي حصلت بين سوريا ومصر بما عرف بالجمهورية العربية المتحدة التي لم تدم طويلًا وكانت تجربة فاشلة بامتياز.

تدخلت الولايات المتحدة الأميركية بطلب من كميل شمعون الذي كان رئيس الجمهورية اللبنانية في ذلك الوقت وأفشلت طموحات المسلمين بالانضمام إلى الوحدة العربية وأوقفت المد المصري الناصري إلى لبنان بعد أن رست البوارج العسكرية الأميركية على الشاطئ اللبناني.

قاد المفاوضات بعد ذلك من الجانب اللبناني مع المصريين الرءيس الجديد فؤاد شهاب وكانت نتيجتها حياد لبنان عن المحاور العربية ما أدى إلى مرحلة استقرار داخلي استمر حتى أوائل السبعينات من القرن الماضي حين بدأ نفوذ منظمة التحرير الفلسطينية يتعاظم في لبنان بعد وفاة الرئيس جمال عبدالناصر وأفول التيار الناصري.

من هنا بدأ يتشكل حلف جديد في لبنان يرتكز على نفس الهدف ويرفع نفس الشعار ألا وهو القضية المركزية قضية فلسطين وهو شعار جامع بين المسلمين والقوى اليسارية، العلمانية بشقيها الماركسي والقومي حيث أصبح التحالف أمرًا طبيعيًا بين هذه القوى ومنظمة التحرير الفلسطينية في وجه من يعارض الوجود الفلسطيني المتعاظم والذي بدأ يشكل خطرًا على الكيان اللبناني على الأقل من وجهة نظر هذه القوى التي تمثلت بأكثريتها من المسيحيين اللذين كانوا متمسكين بحياد لبنان وسيادته وبإخراج الوجود الفلسطيني.

بدأت المواجهة وكانت حرب 1975 تأسست على أثرها الحركة الوطنية اللبنانية بقيادة كمال جنبلاط التي شكلت تحالف الإسلام السياسي اللبناني مع القوى اليسارية العلمانية الداعمة للوجود الفلسطيني في وجه جبهة من الأكثرية المسيحية صنفت باليمين اللبناني على أساس أن اليمين بطبيعة الحال هو عكس اليسار. استمرت هذه الحرب لمدة خمس عشرة سنة حتى بداية التسعينيات وخلفت وراءها دمارًا وخسائر كبيرة في الأرواح والممتلكات وكذلك انقسامًا طائفيًا حادًا.

القوى العلمانية التي كانت متحالفة مع المسلمين وجدت نفسها في خضم حرب طائفية عنيفة بين المسلمين والمسيحين وكانت تبرّر ذلك بأن مبادئ الحركة الوطنية كالديمقراطية والعلمانية تمثلهم وأنها المبادئ ذاتها التي يجاهدون من أجلها لإرضاء جمهورهم بينما كان المسيحيون العلمانيون الذين كانوا يعملون ضمن الحركة الوطنية الضحية الأكبر لهذا التناقض حيث كانوا ينتهكون من اليمين ومن اليسار في بعض الأحيان.

كان شعار اليمين اللبناني متمثلًا بحزب الكتائب بقيادة بشير الجميل هو سيادة لبنان والنأي بالنفس من دون أن ننسى شعاره الشهير الـ10452 كيلومتر مربع، وفي المقابل كان اليسار الإسلامي ينعته بالانعزالية والعمالة للصهيونية والعداء للعروبة.

تم اغتيال بشير الجميل سنة 1982 ليسقط معه شعار لبنان أولًا وكذلك سقط مشروع الإسلام اليساري بقيادة الحركة الوطنية على أثر الاجتياح الإسرائيلي للبنان سنة 1982 وإخراج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت متوجهة إلى تونس.

ليعود شعار لبنان أوّلًا والنأي بالنفس من جديد بعد أكثر من خمس وعشرين سنة على أثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري سنة 2005 ليكون شعار المسلمين اللبنانيين قبل المسيحيين هذه المرة.

تأسست بعد ذلك على أنقاض الحركة اليسارية المقاومة الإسلامية التي بدأت تتشكل في لبنان أوائل الثمانينات من القرن الماضي متأثرة ومدعومة من الجمهورية الإسلامية الإيرانية لتملأ الفراغ الذي أحدثه انهيار الإسلام اليساري مستندة إلى الشعار ذاته وهو المقاومة ضد العدو الإسرائيلي وتحرير فلسطين ولكن هذه المرة على قاعدة دينية إسلام سياسي جهادي شيعي، رغم ذلك تحالف معها اليسار العلماني اللبناني على أساس الشعار ذاته وهو القضية الفلسطينية.

لقد شكل هذا التحوّل دخول إيران الشيعية كلاعب أساسي على الساحة اللبنانية ما أضاف انقسامًا مذهبيًا لا سيما بين المسلمين السنة والشيعة إلى جانب الانقسام الطائفي وأدخل لبنان في صراع دائم بين إيران من جهة واسرائيل من جهة أخرى عطل البلاد وأدخلها بحروب مدمّرة أهلكت الاقتصاد والعباد وما زالت مستمرة حتى يومنا هذا ولا نعرف متى وكيف سوف تنتهي.

تجربة الإسلام اليساري في لبنان ملفتة للنظر إذا ما تأملنا بها بالعودة إلى الوراء لنرى التناقضات، قوى علمانية تحارب حروب الطوائف مرة تحت شعار علماني وأخرى تحت شعار ديني، وإسلام يساري يرفع نفس شعار عدو الأمس وشعارات صاخبة على حساب استراتيجية صلبة واضحة لم تحقق أي انتصار للقضية الفلسطينية ولم تضعف العدو الإسرائيلي بل جعلته أكثر قوة وأكثر إجرام بحق لبنان.