في خضم الحرب الدائرة إقليميًا وما فرضته من تحولات حادة في ممرات الطاقة العالمية، برز إغلاق مضيق هرمز كعامل ضاغط أساسي على أسعار النفط، لترتد تداعياته مباشرة على دول هشة اقتصاديًا كلبنان. ومع تجاوز سعر برميل المازوت عتبة 280 دولارًا، دخل القطاع الزراعي مرحلة من القلق العميق، لم تعد تقتصر على ارتفاع التكاليف، بل باتت تمسّ جوهر الاستمرار في هذه المهنة.
ليست الزراعة في لبنان مجرد قطاع إنتاجي، بل تشكّل شبكة أمان اجتماعي لعشرات آلاف العائلات، لا سيما في مناطق الأطراف كالبقاع وعكار. إلا أن هذه الشبكة باتت مهددة بالتفكك، في ظل تضخم كلفة الري والنقل والتشغيل نتيجة الارتفاع غير المسبوق في أسعار المحروقات. فالمزارع الذي كان يعتمد على المازوت لتشغيل مضخات المياه أو المولدات الكهربائية، وجد نفسه فجأة أمام أرقام لا يمكن احتسابها ضمن أي دراسة جدوى زراعية.
في الموسم الماضي، لم يكن سعر برميل المازوت يتجاوز 150 دولارًا، ما أتاح للمزارعين هامشًا معقولًا لإدارة تكاليفهم. أما اليوم ومع تضاعف السعر تقريبًا، باتت كلفة الري وحدها تلتهم الجزء الأكبر من المدخول المتوقع، ما يدفع بالكثيرين إلى إعادة التفكير في قرار الزراعة من أساسه.
أبو علي، مزارع بطاطا في بعلبك، يلخص هذا المشهد لـ "نداء الوطن" بقوله: "كنا نحسبها على القلم ونقول في ربح ولو بسيط، اليوم لم يبق أي حساب، كل شي مرتبط بالمازوت، من أول ما نبدأ بحرث الأرض لآخر ما نبيع المحصول، وإذا أردنا أن نستمر نكون عم نغامر بكل تعبنا، وإذا وقفنا، نكون قد خسرنا السنة من أولها".
ولا تختلف معاناة المزارعين في الزراعة الدائمة. فأحمد الذي يملك بستان مشمش في منطقة الفاكهة، يجد نفسه أمام معادلة مستحيلة ويقول لـ "نداء الوطن": "الشجر ما بينطر،إذا ما سقيناه، بيموت. وإذا سقيناه بهالأسعار منغرق بالديون. السنة الماضية قدرنا نمشي الحال، بس هالسنة ما في وضوح، حتى إذا طلع الموسم منيح، مين بيضمن نبيع أو نصدّر؟
وعليه، لا يمكن فصل هذا الواقع عن التأثير المباشر لأسعار المحروقات على القرار الزراعي اليومي للمزارعين. فببساطة، أصبحت الزراعة في لبنان مرتبطة بسعر صفيحة المازوت: إن ارتفعت، تراجعت القدرة على الري، وإن تراجعت، تنفس المزارع قليلًا. هذا الارتباط جعل كثيرين يعيدون حساباتهم، فهناك من قرر عدم الزراعة هذا الموسم تفاديًا لخسائر مؤكدة، فيما يقف آخرون على حافة القرار، بانتظار أي مؤشرات على تحسن أو استقرار.
وفي المقابل، تبرز معاناة فئة لا تقل تأثرًا، وهم الذين استأجروا أراضي زراعية ودفعوا بدلات مالية مسبقة، إضافة إلى تكاليف التحضير من حراثة وبذار وأسمدة، ليجدوا أنفسهم اليوم أمام كلفة تشغيل تفوق قدرتهم، من دون إمكانية التراجع أو تعويض ما دفعوه. هؤلاء تحديدًا عالقون في منتصف الطريق: لا هم قادرون على الاستمرار بسهولة، ولا هم يستطيعون الانسحاب من دون خسائر كبيرة، ما يعكس حجم الأزمة التي باتت تضرب قلب القطاع الزراعي وتضع مستقبله أمام علامات استفهام جدية.
هنا تبرز أزمة إضافية لا تقل خطورة عن كلفة الإنتاج، وهي أزمة التسويق. فالتصدير الزراعي الذي يشكّل شريانًا أساسيًا للقطاع، يواجه تحديات كبيرة في ظل التوترات الأمنية وإقفال أو تعثر المعابر البرية والبحرية، خصوصًا عبر سوريا. ومع تراجع القدرة الشرائية في السوق المحلي، يصبح من الصعب تحميل المستهلك كامل الزيادة في الكلفة، ما يعني تقلص هامش الربح أو تحوله إلى خسارة مؤكدة.
إلى جانب ذلك، يواجه المزارعون مشكلة في إيجاد البدائل لأنظمة الري، إذ إن شريحة واسعة منهم لم تتمكن من الاستثمار في أنظمة الطاقة الشمسية التي كان يمكن أن تخفف من الاعتماد على المازوت.
يضع المشهد العام المزارع اللبناني أمام خيارين كلاهما قاسٍ: إما خوض مغامرة الزراعة بكلفة مرتفعة ومخاطر تسويقية غير محسوبة، أو الانسحاب الموقت وتحمل خسارة موسم قد لا يمكن تعويضه بسهولة، خاصة في الزراعات التي ترتبط بدورات إنتاج سنوية أو طويلة الأمد.
في المحصلة، لا تبدو الأزمة الحالية مجرد أزمة عابرة مرتبطة بظرف إقليمي، بل تكشف هشاشة البنية الزراعية في لبنان وغياب السياسات الداعمة. وبين غلاء المحروقات وضبابية الأسواق، يقف المزارع وحيدًا في مواجهة معادلة أكبر منه، فيما يصبح الأمن الغذائي للبنان رهينة لهذه التحديات، في وقت لم يعد فيه ترف الانتظار خيارًا.