في لحظةٍ تبدو مثيرة في ظاهرها، عميقة في دلالاتها، بدأت المفاوضات المباشرة بين ممثلين عن لبنان وإسرائيل في العاصمة الأمريكية واشنطن، برعاية وزارة الخارجية الأمريكية. قد يراها البعض خطوة دبلوماسية جريئة، وهي في الواقع تحمل بذور تحوّل سياسي طال انتظاره: أن يقول لبنان، أخيراً، "أنا هنا… وأتحدث باسمي".
هذه الجملة البسيطة تختصر أزمة لبنان الممتدة منذ عقود. فلبنان، الدولة الصغيرة بتعقيداتها الكبيرة، لم يكن في كثير من محطاته التاريخية صاحب القرار في قضاياه المصيرية. منذ اتفاق القاهرة عام 1969، زمن المنظمات الفلسطينية المسلّحة واليسار العالمي، مروراً بالوصاية السورية، وصولًا إلى النفوذ الإيراني عبر أدواته المحلية، تحوّل لبنان تدريجياً إلى ساحة، لا إلى دولة؛ إلى ورقة تفاوض، لا إلى طرفٍ مفاوض.
اليوم، ومع انطلاق هذه المفاوضات، يلوح أفق مختلف: أفق استعادة القرار الوطني. فجوهر الدولة، كما تُعرّفه العلوم السياسية، هو احتكار تمثيل مصالح شعبها في الداخل والخارج. الدولة هي التي تفاوض، لا الدويلات؛ هي التي تقرر، لا المحور أو الوكيل. ومن هذا المنطلق، فإن دخول لبنان إلى طاولة التفاوض بصفته الرسمية والمباشرة، يشكّل خطوة أولى نحو إعادة بناء مفهوم الدولة نفسه.
ليس المقصود هنا تبسيط المشهد أو تجاهل تعقيداته. فهذه المفاوضات، بطبيعتها، ستكون شاقة، طويلة، وربما متعثرة. الصراع الممتد، والتشابكات الداخلية كما الإقليمية، والملفات العالقة، كلها عوامل تجعل الطريق مليئاً بالعقبات. لكن أهمية هذه الخطوة لا تكمن في نتائجها الفورية، بل في مبدئها: أن لبنان بدأ يستعيد صوته.
في المقابل، تبرز معارضة واضحة من قبل "جبهة الممانعة" في لبنان، وعلى رأسها حزب الله، ومن يدور في فلك المشروع الإيراني. هذه القوى، التي لطالما قدّمت نفسها كحامية للسيادة، تجد نفسها اليوم في موقع الرافض لأن تمارس الدولة سيادتها الفعلية! وهنا تكمن المفارقة: كيف يمكن لمن يرفع شعار “المقاومة” أن يعارض حق الدولة في أن تفاوض باسم شعبها؟
الواقع أن المشكلة ليست في مبدأ التفاوض، بل في هوية من يفاوض. فحين يكون لبنان دولةً مستقلة القرار، تنتفي الحاجة إلى الوسيط الإقليمي الذي احتكر لعقود دور "المتحدث غير الرسمي". وعندما يستعيد لبنان زمام المبادرة، يخسر أولئك الذين اعتادوا توظيفه في صراعاتهم الإقليمية ورقةً أساسية.
لقد دفع لبنان أثماناً باهظة نتيجة هذا الواقع. حروب متكررة، دمار اقتصادي، انهيار مالي، هجرات متتالية، وتفكك اجتماعي. بلدٌ كان يُعرف بدوره الثقافي والاقتصادي في المنطقة، تحوّل إلى ساحة صراع مفتوحة، تُدار حساباتها خارج حدوده. ومنذ اتفاق القاهرة حتى اليوم، يمكن تتبّع مسار الانحدار الذي رافق تراجع سيادة الدولة لصالح قوى الأمر الواقع.
إن الخروج من هذا المسار لا يكون بالشعارات، بل بإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة. والدولة، في أبسط تعريفاتها، هي التي تحتكر قرار السلم والحرب، وتمثل شعبها في المفاوضات، وتحدد مصالحها بناءً على أولوياتها الوطنية، لا على أجندات الآخرين.
من هنا، فإن المفاوضات الحالية، رغم كل ما يحيط بها من جدل، تمثل فرصة تاريخية. ليست فرصة للتطبيع أو القطيعة بحد ذاتها، بل فرصة لإعادة تموضع لبنان كدولة طبيعية في النظام الدولي: دولة تفاوض، تقرر، وتتحمل مسؤولية خياراتها.
لكن هذه الفرصة لن تتحقق تلقائياً. فهي تتطلب وعياً وإرادة سياسية، ودعماً دولياً لفكرة أن لبنان يجب أن يكون سيد نفسه. وهنا تأتي أهمية رعاية الولايات المتحدة، كضامن لحقوق لبنان واللبنانيين. كما تتطلب مواجهة صريحة مع منطق التبعية والمَحاور، أيّاً كان مصدره، سواء جاء تحت عنوان "المقاومة" أو "الأخوة" أو "القضية".
إن الرسالة التي يجب أن يرفعها اللبنانيون اليوم واضحة وبسيطة: ارفعوا أيديكم عن لبنان. دعوه يخطئ ويتعلم، يفاوض ويقرر، ينجح أو يفشل، لكن بقراره هو، لا بقرارات الآخرين.
فالدول لا تُبنى بالوكالة، ولا تُدار بالنيابة. والدولة التي لا تفاوض عن نفسها، ليست دولة كاملة السيادة.
لبنان اليوم أمام مفترق طرق. إما أن يستمر كساحة تُدار من الخارج، أو أن يبدأ، ولو بخطوات متعثرة، رحلة استعادة نفسه. والمفاوضات الحالية، بكل ما تحمله من تحديات، قد تكون أول هذه الخطوات.
إنها ليست نهاية طريق، بل بدايته، فإرفعوا أيديكم عن لبنان، كفى... دعوه ينهض.