تصوّر دانتي أن فوق باب الجحيم كتب "أيها الداخل إلى هذا المكان أسقط عنك كلّ أمل". ببعض التصرّف يصحّ القول: "أيها الساعي لحلّ مأساة لبنان أسقط عنك كلّ أمل".
ليست الغاية الالتزام الحرفي بهذه النصيحة، فالبلاغة تتطلّب أحيانًا المبالغة. بديهي أن التطوّرات الأخيرة، أوحت بأن ما اعتبرناه قد مات وانقضى ما زال به نبض حياة.
ما سبب مأساة لبنان وما يمكن أن يكون حلًّا لها؟
سببان وراء مأساتنا، وإجراء يمكن أن يكون حلًّا لها.
السبب الأوّل تراثيّ يعود إلى تجذّر مفاعيل "نظام الذمة" سواء لدى المستفيدين منه، وأيضًا لدى ضحاياه. وهناك أيضًا سبب بنيويّ هو استبدال نظام المتصرفية بجمهورية لبنان الكبير.
لا أرى بالإمكان فهم استعلاء المسلمين، كما لا يمكن تفسير خنوع المسيحيين، ما لم نعد إلى نظام الذمة.
استفاض الفقهاء في تحديد علاقة المسلمين بغير الأديان وعادوا بها إلى القرآن والسنة. المرجع القرآني الرئيسي هو الآية 29 من سورة التوبة. فهي ترسل حكمًا وتضع استثناء، وتقيّده بشرط ملزم. أما القاعدة فهي قتال غير المؤمنين. الاستثناء هم أهل الكتاب، والشرط هو إيفاؤهم جزية جزاء عدم إسلامهم.
أمّا شروط نظام أهل الذمة فهي نوعان: الشروط المستحقة والشروط المستحبة. أما المستحقة فهي تلزم المسلم وإلّا كان آثمًا. أما المستحبة فإن لم يلتزم المسلم بها فهو غير آثم، وإن التزم بها يؤجر.
الشروط المستحقة ستة: عدم ذكر الإسلام بذم وقدح، والأمر عينه القرآن والرسول، ألّا يصيبوا مسلمة بنكاح، ألّا يفتنوا المسلم عن دينه، وألّا يعينوا أهل الحرب.
الشروط المستحبة هي لبس الغيار، ألّا تعلو أصوات نواقيسهم، ألّا تعلو أبنيتهم أبنية المسلمين، ألّا يجاهروا بشرب الخمر، أن يخفوا دفن موتاهم وأن يمتنعوا عن ركوب الخيل.
بديهي أن تطوّر الحياة أدّى إلى تعليق معظم الشروط المستحبة فيما الشروط الواجبة لا تزال موضع التنفيذ على درجات متفاوتة في جميع الدول الإسلامية ما عدا لبنان الذي أقرّ قوانين أهمّها قانون 1951 الذي أباح تغيير الدين بأي اتجاه وإشهاره، وهو برأيي ذروة التشريع الليبرالي اللبناني ليس فقط بمحتواه بل أيضًا بأن موقعيه هم رئيس جمهورية مسيحي ورئيس وزراء ووزير داخلية مسلمان.
السبب الثاني لمأساة لبنان تعود لبنيته. السياسيون المسيحيون أيّدوا توسيع حدود "متصرفية جبل لبنان" لتصبح "جمهورية لبنان الكبير". كان بين الأجانب من بانت له مخاطر الإجراء أهمهم اثنان: روبر دو كي، مستشار المفوصية السامية الفرنسية، والأميركي الكولونيل وليام بل عضو لجنة كنغ – كراين الذي توجّس من "أن انتماء لبنان المسيحي وسوريا المسلمة إلى حضارتين مختلفتين لا يمكن لحمهما، من الممكن أن ينتهيا بكارثة على الأقليات".
في الوقت الذي أيّد السياسيون المسيحيون لبنان الكبير كان لبعض المفكرين رأي آخر. كتب فيليب حتي "صحيح أن لبنان كسب فعلًا مساحات جديدة غير أن هذا الكسب كان يقابله عدم تجانس بين السكان في الأهداف والغايات...".
جورج أنطونيوس، المفكّر الفلسطيني الذي كرّس قدراته الفكرية في خدمة قضيته، كشف عن هوية عميقة في داخله إذ أدان في كتابه "يقظة العرب" تكبير لبنان ورأى به "قصر نظر وعرّض الأغلبية المسيحية أن تصبح أقلّية على مرّ الزمن كما أوجد عنصرًا من عناصر النزاع في بلد حافل بدوافع التفرقة".
ذاك هو بسط مقتضب لجذور مآسي لبنان التي لا تبدو لها نهاية. هل من سبيل لوضع نهاية لدوّامة العنف والدمار التي اتصف لبنان بها ولأزمته منذ ثلاثة أرباع قرن؟
ليس هناك حل دائم إلّا ذاك الذي يداوي أسباب العلّة. داء لبنان في بنيته ودواؤه في إعادة بنائه على أسس حديثة تحفظ حقوق جميع مكوّناته. الفدرالية هي الحلّ. فدرالية تقوم على الاعتراف بما يجمع وما يفرق بين اللبنانيين. ما يجمع هو الوحدات الفدرالية التي تتولّى جميع أمور مواطنيها بحسب قراراتهم المستمدّة من تاريخهم وانتماءاتهم وقيمهم وحتى انتساباتهم الدينية إن شاؤوا. إلى جانب السلطة المحلية الواسعة ثمّة سلطة مركزية يحدّد الدستور الفدرالي تفاصيلها.
لكن علامَ تقوم هذه الفدرالية؟ أهي فدرالية دينية؟ طائفية؟ عرقية؟ أم ماذا. ما أذهب إليه هو فدرالية ربما احتوت هذه التقسيمات، لكن تطوّرات لبنان الأخيرة أثبتت ما لم يكن سابقًا بهذا الوضوح. برز في مؤتمرات معراب 1 و 2 وخاصة 3، فدرالية قيم إذ ما جمع بين الحضور المتنوّع الطوائف والانتماءات الفكرية والخلفيات الثقافية، قيم مشتركة فيها كلّ ما يصلح لتشييد صرح ثابت متين لهم ولمشاطريهم الرؤية، في حين يفسح المجال لجميع الأطياف الفكرية بمن فيهم الأصوليون، لتحقيق أحلامهم على أرضهم دون أن يفرضوها على سواهم.