لم يعد السؤال في لبنان: من المنتصر ومن المهزوم؟ بل أصبح: هل يريد اللبنانيون دولة فعلًا، أم استمرار العيش في ظل حروب مفتوحة وقرارات مصيرية تُتخذ خارج مؤسساتها؟
إن مصلحة لبنان اليوم واضحة: وقف الحرب والاعتداءات، إنهاء الاحتلال، استعادة الأسرى، إطلاق ورشة إعادة الإعمار، والأهم استعادة الدولة سيادتها الكاملة على جميع أراضيها بقواها الشرعية، مع حصر السلاح بيدها. غير أن الوصول إلى هذه الأهداف يصطدم بعقبة أساسية: ازدواجية القرار بين الدولة وقوى الأمر الواقع.
يطالب "حزب الله" بإجماع وطني قبل الذهاب إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، لكن هذا الشرط يطرح إشكالية جوهرية. فـ "الحزب" نفسه لم ينتظر يومًا إجماعًا وطنيًا عندما أسّس مشروعه العسكري والأمني، ولا حين راكم ترسانة ضخمة، ولا عندما خاض حروبًا متكررة منذ التسعينات حتى اليوم، كلّها بقرارات منفردة خارج إطار الدولة. هذه الازدواجية تضعف منطق المطالبة بالإجماع، وتطرح سؤالًا مشروعًا: متى يكون الإجماع مطلوبًا، ومتى يتم تجاوزه؟
لا يمكن إنكار أن "الحزب" لعب دورًا أساسيًا في تحرير الجنوب عام 2000، وهو إنجاز وطني كبير. لكن الوقائع اللاحقة تُظهر أن خيار الحروب المفتوحة لم يؤدِّ إلى تثبيت هذا الإنجاز، بل أعاد لبنان مرارًا إلى دوامة الدمار، وأعاد الاحتلال إلى أجزاء من أراضيه. كما أن انخراط "الحزب" في صراعات إقليمية منذ عام 2011 أضعف صورته كقوة مقاومة وطنية، وربطه أكثر بمحاور خارجية لا تتطابق بالضرورة مع المصلحة اللبنانية.
اليوم، يقف لبنان أمام انقسام واضح: فريق يرفض أي تفاوض مباشر، وفريق يرى فيه مخرجًا ضروريًا من حالة الاستنزاف المستمر. لكن ما لا يمكن تجاهله هو أن استمرار الوضع الحالي يعني ببساطة استمرار الانهيار-أمنيًا واقتصاديًا وسياديًا.
التفاوض ليس استسلامًا، بل أداة سياسية تستخدمها الدول لحماية مصالحها. وكل التجارب الحديثة تؤكد أن الحروب، مهما طالت، تنتهي على طاولة المفاوضات. السؤال الحقيقي ليس: هل نتفاوض؟ بل متى، وبأي شروط، ومن موقع أي دولة؟
قد يرى البعض أن التموضع ضمن المظلة الأميركية يشكّل فرصة لفرض انسحاب إسرائيلي وضمانات دولية، خاصة في ظل عجز موازين القوى الحالية عن تحقيق ذلك عسكريًا. لكن هذا الخيار يحمل في طياته خطر تفجير صراع داخلي إذا لم يُبنَ على توافق لبناني واسع.
من هنا، تصبح الأولوية القصوى هي إعادة بناء الحد الأدنى من الإجماع الداخلي حول مفهوم الدولة نفسها: دولة واحدة، بقرار واحد، وسلاح واحد. من دون هذا الأساس، فإن أي اتفاق خارجي سيكون هشًا، وربما مدخلًا لمزيد من الوصايات أو التدخلات الدولية.
الضغوط الدولية تتزايد، والخيارات تضيق. لبنان ليس في موقع يسمح له برفض كل المبادرات أو إدارة ظهره للواقع الدولي. لكنه أيضًا لا يحتمل تسويات مفروضة من دون غطاء داخلي. التحدي الحقيقي يكمن في تحقيق توازن دقيق: الانفتاح على التفاوض، مقابل تثبيت وحدة القرار الوطني.
قد تكون اللقاءات الدولية، حتى على أعلى المستويات في البيت الأبيض برعاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، جزءًا من مسار الحل، لكن قيمتها الحقيقية لا تكمن في صورتها، بل في مضمونها: هل تحقق فعليًا مصلحة لبنان؟ هل تضمن انسحاب الاحتلال؟ هل تعيد للدولة دورها الكامل؟
في النهاية، لا يمكن للبنان أن يستمر كدولة نصف حاضرة. إما أن يختار طريق الدولة بكل متطلباتها، أو يبقى ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين. وبين هذين الخيارين، لم يعد هناك ترف الوقت.
مهندس وخبير اقتصادي