لم يحضر عيد العمال هذا العام على عمال الجنوب. الجنوب في عطلة قسرية، وعمّاله خارج الخدمة. قد يكون هذا أول عيد للعمال يمرّ فيما العمال أنفسهم بعيدون قسرًا عن أعمالهم. وقبل الحرب، لم يكن واقع العمال أقل قسوة؛ ظروف معيشية واقتصادية صعبة، أجور دون الحد الأدنى، وأعباء العمل كلّها تقع على عاتقهم.
اليوم، يواجه عمال الجنوب محنة البقاء وأزمة وجود حقيقية. هم الشريحة الأكثر تضررًا من الحرب، يعتمدون على يوميات لا تتجاوز عشرة دولارات، باتت هي الأخرى خارج التداول. عاطلون عن العمل، يفقدون مقوماتهم الأساسية: كم من عامل بات اليوم بلا راتب، بلا دخل؟ الصرخة حتمية، فالضغوط المعيشية تطحن الجميع: الغلاء، بدلات إيجار المنازل، تأمين الطعام… أعباء تتراكم على كاهلهم، وهم يشكّلون شريحة واسعة من عمال لبنان.
لم يُكتب لعمال الجنوب، كما لعمال لبنان عمومًا، يوم راحة. لم تنصفهم أي حكومة، وغالبًا ما جاءت القرارات الرسمية مجحفة بحقهم. تُصرف الحقوق للموظف الذي بات عبئًا على خزينة الدولة، فيما يُهمَل العامل، العمود الفقري لأي مؤسسة. من دونه تتوقف الأعمال، ومع ذلك يبقى حقه ضائعًا.
عادةً، يرتبط عيد العمال بالتظاهرات والشعارات والصرخات التي تُرفع ليوم واحد، ثم تُخزَّن في الأدراج حتى العام التالي. أما اليوم، وفي ظل الحرب، يخسر عمال البلديات مثلًا يومياتهم ولا يتقاضون رواتبهم، رغم أن غيابهم قسري وخارج عن إرادتهم. حتى في الحرب، يُظلَم العامل ويُعاقَب على ذنب لم يقترفه، بينما يُصرف الراتب لموظف لا يحضر إلى عمله ولا ينجز أي معاملة، فقط لأنه “موظف”، فيما العامل خارج مظلة الحماية القانونية.
في الأول من أيار، لا ينتظر العامل تكريمًا بخطاب ينتهي بالتصفيق، ولا بوعود برفع الأجور، بل بضمان حقوقه، وتقدير تعبه، وإنصافه ضمن القانون اللبناني. قانون ينصّ بوضوح على أن العامل الذي أمضى أكثر من عام في مؤسسة أو بلدة دون انقطاع يحق له بدل نقل، وراتب ثابت، وضمان صحي، وغيرها من الحقوق. لكن هذه المواد تُضرب بعرض التجاهل، ولا تُطبّق في الدوائر والمؤسسات لأن العمال غير مدعومين.
لا يُحسَد العامل اليوم على واقعه. هجرته الحرب مرارًا، خسر مدخراته وكل ما يملك، ولم يلتفت إليه أحد. ينتظر دعمًا بسيطًا ليكمل حياته بصمت، فصوته غير مسموع وسط ضجيج الحرب والإهمال.
الحرب لم تسرق العمال من عيدهم فحسب، بل سرقتهم من حياتهم. عمال النظافة، وعمال جمع النفايات، وعمال المياه، والمزارعون الذين غابوا عن الحقول، وعمال المصانع الذين توقّفوا قسرًا… كلهم اليوم خارج الخدمة، فيما عيدهم يمرّ مثقلًا بالوجع والقهر.
ليس هذا عيد عمّال.