عامر زين الدين

الجبل ينحاز للدولة ويرفض الفتنة

4 دقائق للقراءة

يتجلّى الموقف الدرزي السياسي والروحي الرافض لحملة التخوين التي استهدفت رأس الكنيسة المارونية ضمن تأكيد استمرار مسار العلاقة الوطيدة بين مكونات الجبل وبكركي. تلك العلاقة دفعتها معركة استعادة السيادة والاستقلال سنة 2005 المطالِبة بخروج الجيش السوري من لبنان، بعد تكريس المصالحة الوطنية عام 2001، نحو المزيد من التلاقي حول ملفات مفصلية. وقد دأبت على الانحياز لتثبيت أسس الدولة وتعزيز ركائزها، إلى جانب التعاون لترسيخ نهج المصالحة وتدعيم تمسك أبناء الجبل بأرضهم، ومنع إفراغ مناطقهم دروزًا ومسيحيين. وجاء استهداف البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي على بعض منصات التواصل ليؤكد الثوابت، في لحظة مصيرية تتقاطع فيها فرص التهدئة الهشة مع مخاطر الانزلاق نحو انقسام عمودي، وسط عدوان إسرائيلي مستمر وخوف على واقع مؤسساتي مهتز.

أساسًا، تتلاقى مواقف بكركي في الجوهر مع الموقف الدرزي التاريخي في الحرص المشترك على الدولة ومؤسساتها. فالدروز يقيسون خطواتهم مع المكونات اللبنانية بـ "ميزان الجوهرجي"، ويرجّحون كفة التوازن الوطني ونهج الوسطية، حتى لو وضعتهم أي طروحات أمام خيارات مفصلية، عُدّت مواقف يصفها البعض بالمفاجئة، إن لم نقل انقلابية. وأبرزت جولات كتلة "اللقاء الديمقراطي" والحزب "التقدمي الاشتراكي" على المرجعيات السياسية والروحية حرصًا على تحصين الساحة الداخلية. كما برزت خطوط التنسيق التي يتولاها شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ الدكتور سامي أبي المنى للوصول إلى قمة روحية إسلامية - مسيحية، بسعي ودور مشترك بينه وبين البطريرك الراعي، كي يُتوّج بلقاء جامع، يؤكد التضامن الروحي والوطني في الظروف الراهنة، ودرءًا للفتنة. ويأتي القول إن دار الطائفة الدرزية مفتوحة للجميع، وإنها جامعة ولاحمة، لكنها منحازة دومًا وبالصميم نحو الدولة، وفي كنفها وتحت مظلتها، ذكرت مصادر في مشيخة العقل لـ "نداء الوطن" بشعار الشيخ أبي المنى: "حياد على ما يفرّق وانحياز لما يجمع"، لكن لا حياد بين الدولة واللادولة. وأيضًا بشعار "الشراكة الروحية والوطنية مظلة الإنقاذ والإصلاح"، مشددة على متانة العلاقة مع بكركي، والحرص المشترك على إنجاح كل الخطوات الجامعة لتحصين الساحة الداخلية وإزالة أجواء التحريض المذهبي، بعدما تكرّس مشهد الانقسام بين مشروعين: الاستعجال في استعادة الدولة ومؤسساتها الشرعية، أو إبقاء البلاد أسيرة الاشتباك المفتوح.

ويشبّه الدروز الفترة المعاشة بالتجربة المريرة عام 1982 عند الاجتياح الإسرائيلي للبنان، وما نتج عنها من حروب أهلية دفع الجبل خلالها أثمانًا باهظة، بسبب الانقسامات السياسية والطائفية التي كانت سائدة آنذاك. وقد خبروا نتائج الفتن ومعنى الحروب على مدى 30 سنة سوداء من تاريخهم الممتد أكثر من ألف عام مع المسيحيين. ويعاينون اليوم حجم ثقافة الحقد التي تترجمها مواقع التواصل، بزرع الأخطار على أوسع المديات، والتي ستكون ثمارها مكلفة جدًا على الوطن. إذ إن "التفلت" الحاصل سيرتدّ بمزيد من التداعيات السلبية، في وقت تشدد مشيخة العقل والزعامة الجنبلاطية على التمسك بالسلم الأهلي، وعدم الوقوع في فخ الفتنة، وسط أجواء ومناخات حربية تزداد قتامة. فانتقاد الزعيم وليد جنبلاط لضعف ضبط الخطاب التحريضي، وحرص الشيخ أبي المنى على تمتين الصف الديني والوطني، ومطالبة النائب تيمور جنبلاط بالالتزام بأخلاقيات التعبير من دون تجريح أو تخوين، تؤكد الرفض القاطع للتطاول على بكركي، والتمسك بمشروع الدولة الذي يجب ألا يسقط أمام حملات التحريض.

سبق الاستهداف الأخير حملات من البيئة ذاتها طالت رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، وكان الموقف الدرزي الرافض بمستوى عالٍ أيضًا، ترجم بزيارات لقصر بعبدا والسراي الحكومي، رغم العلاقة الثابتة بين جنبلاط الأب والرئيس نبيه بري. وإن يكن، فالقيادة الدرزية ترفض استهداف الدولة والانقلاب عليها، وترفض بالتوازي، استهداف البطريركية المارونية وما تمثله في الوجدان السياسي والوطني، انطلاقًا من شراكتها الوطنية والروحية القائمة مع الجبل خصوصًا، وتعتبر أي استهداف، كما حصل أخيرًا، إنما يؤدي إلى فتنة، وبكركي هي شريك أساسي في مبادئ قيام الدولة والخيارات الوحدوية والوطنية.