في "ميتم عش العصافير" احتضن آرام بيزيكيان آلاف الأطفال الأرمن الذين نجوا من المجازر العثمانية في العام 1915.
يتزامن الكلام على هذا المتحف مع "ذكرى الإبادة" في الرابع والعشرين من كل نيسان. ليس فقط كمجرّد طرح تذکاري، بل كشاهد جيو - سياسي على مأساة اقتلعت شعبًا من أرضه، بفعل التقلّبات السياسية الكبرى مطلع القرن العشرين.
يعرض المتحف خرائط ووثائق تُبيِّن مسارات "قافلات الموت" التي انطلقت من الأناضول باتجاه دير الزور في سوريا، وصولا إلى جبيل.
المتحف ليس "مخزنًا" للذكريات، بل منصّة للمطالبة بالعدالة عبر الحفاظ على الذاكرة الحيّة في وجدان الأجيال التي تتحدّى سياسة الإنكار التي تعتمدها تركيا.
الأطفال اليتامى هؤلاء الذين لفظتهم الصحراء، وصلوا إلى الساحل اللبناني، إلى الأديرة وبيوت اللبنانيين...
"عش العصافير" (المتحف) ليس اسمًا شاعريًّا. فهؤلاء الأطفال اليتامى وصلوا ككائنات مكسورة، وكانت الضرورة تقضي بتعلُّم الطيران والانتماء للحياة فنجوا.
الزائر لا يشاهد "معروضات"، بل يتناغم مع ذاكرة لا تبدأ حكايتها في المأساة مباشرة، بل من زمن سبقها وأن الضحايا لم يولدوا أرقامًا، عبر صُوَر عائلات وبيوت ومدارس... ثمّ يدخل في تسلسل الأحداث الدامية: شواهد على ترحيل منظّم قسريّ، قوافل، مسافات تُمحى، وجوه غائرة في الحزن، جرس مكسور، كأنه اعتراف بخنق الصوت والتواصل.
ولا بدّ من التوقف عند شخصيّة تحوّلت إلى ما يشبه الضمير الحيّ للمكان: هي ماريا ياكوبسون المرأة الدنماركية التي كرّست حياتها لهؤلاء الأيتام. حضورها في المتحف ليس احتفالا فرديًّا، بل هو تذكير بأنّ التاريخ لا يُكتب فقط بقرارات الدُّوَل، بل أيضًا بأفعال أفراد قرّروا الوقوف إلى جانب الحق والإنسانية.
في مطلع القرن العشرين، كانت السلطنة العثمانية تتفكّك، والقوميّات تنهش أطرافها، فجاءت حركة "جمعية الاتحاد والترقي" بوصفة سحريّة: إذا كانت الإمبراطورية المتعدّدة القوميّات هي المشكلة، فالحلّ بسيط: لِنُلغِ التعدّد ونحوّله إلى نقاء عرقي ولو مغموسًا بالدم!
الأرمن - يومها - بشبكاتهم الاقتصادية وتعليمهم وصِلاتهم الأوروبية، تحوّلوا في خطاب السُّلطة إلى خطر داخليّ، حينها وكما حال أي نظام مأزوم حين يعجز عن إصلاح الدولة، يخترع عدوًّا من شعبه.
ومع اندلاع "الحرب العالمية الأولى"، أصبحت التهمة جاهزة: خيانة، تواطؤ مع الخارج، تُهم الانفصال عن السلطنة، وطابور خامس، لتبرير القتل والجريمة باعتبارها ردّة فعل شرعية لحماية الدولة.
بالعودة إلى المتحف، فهو أكثر من مكان. إنه منصّة اتهام وتذكير بأنّ الضحيّة حين تنجو، لا تنجو وحدها، بل تحمل معها ملف القضية. لكنّ السلطنة اختارت الحلّ الأسوأ: إلغاء الآخر. نجحت في القتل وفشلت في المحو. فالطفل الذي نجا صار شاهدًا والشاهد حين يكبر يبني متحفًا، والمتحف حين يُفتح يفضح التاريخ المزوَّر، وحينها تصبح القضية صعبًا دفنها.
نسأل عن موقف الدُّوَل الكبرى: روسيا القيصرية كانت الخصم الأكبر للعثمانيين في القوقاز. صحيح احتضنت بعض المتطوِّعين الأرمن، لكنها لم تلتزم عسكريًا.
بريطانيا وفرنسا أصدرتا إدانات تحدّثت عن "جرائم ضد الإنسانية" كموقف لغويّ، مع الاعتبار بأنهما كانتا غارقتَين بالحرب.
أمّا الولايات المتحدة، وكانت خارج الحرب يومها، لكنها شهدت حملة إنسانية واسعة عبر جمعيات خيريّة، وتعاطفًا مدنيًا. لكنه تأثير محدود.
أمّا ألمانيا - الحليف الأكبر للعثمانيين - فقدّمت أولوية تحالفها على الاعتبارات الإنسانية. والنتيجة: الحرب تسمح للدول بتصرّفات لا تجرؤ عليها في زمن السِّلم.
في توصيف بدء الحكاية: شرق الأناضول، المجال الذي عاش فيه الأرمن قرونًا، يقع على تماس مباشر مع القوقاز وروسيا القيصرية. هذا الحزام الجبليّ المتداخل، إتنيًّا ودينيًّا، لم يكن حاجزًا بالمعنى الكلاسيكيّ بل منطقة تماس حسّاسة بين إمبراطوريّتَين. ومع صعود ضبّاط "جمعية الاتحاد والترقي" المتعصِّبين، تحوّل هذا التماس إلى هاجس كيفية تأمين العمق الاستراتيجي لدولة تتفكّك، كيفية ربط الأناضول بالمشرق لتأمين طرق الإمداد للجبهات، وبالتالي منع العدو الروسيّ من استثمار أيّ أقلية داخلية!
هنا دخلت الأيديولوجيا لتحويل الهواجس إلى فعل سياسي. فمشروع التتريك والطورانية، لم يرَ في التعدّدية ثروة، بل ثغرة خطيرة. فالأرمن بحضورهم الكثيف في مدن الشرق وطرق التجارة، صاروا في نظر السلطنة "جسمًا غير موثوق"!
تتحدّث وقائع التاريخ والمدوّنات والوثائق المصوّرة، عن حوالى ربع مليون سرياني ويزيد، قَضَوا في سهول شرق ترکیا وشمال غرب إيران، على يد مرتزقة أكراد بأوامر من السلطنة العثمانية وزمرة ضباط "الاتحاد والترقي" و "تركيا الفتاة"...
في تقرير المفوَّض السامي البريطاني على العراق (1923 - 1929) فترة الانتداب Sir Henry Robert Dobb: "مجزرة سيفو قضت على ثلثَي الشعب السرياني على امتداد السلطنة".
وفي محفوظات وزارة الخارجية البريطانية، برقية من وزير الحربية العثمانية طلعت باشا إلى والي ديار بكر محمد رشید باشا، يأمُره: "أُحرقْ، دمّرْ- أُقتُلْ"... وكان ما كان!
التزامُن الممنهَج في تنفيذ "الإبادة الأرمنية" مع "مذابح سيفو" على يد جزّار واحد، هَدَفَ إلى تطهير عرقيّ - دينيّ، أدّى إلى محوِ الحضور التاريخي المسيحي، في تلك المرحلة. تحجّجت السلطنة بتطوُّع الأشوريّين والسريان في صفوف الجيش الروسي لمحاربة العثمانيين، ما يؤدّي إلى انفصال أجزاء واسعة من السلطنة، كما حدث في دول البلقان منتصف القرن التاسع عشر واستقلال تلك الدول...
واقع الحال أنَّ الأقليات السريانية - الأشورية استشعرت خطر "التتريك الإلغائي" منذ مدّة طويلة، ما أدّى إلى ردّة فعل عكسيّة تمثلت بصحوة الفكر القوميّ لدى الأقليات، وأجّجت "رغبة الانتقام الحميدية" وما بعدها، خاصة بعد فشل حملة القوقاز التي مُنيت بها السلطنة شتاء 1914.
وقائع تاريخية وعودة إلى لبّ المسألة...
عبد الحميد الثاني أو "السلطان الأحمر" حكم حوالى 30 سنة، بطش خلالها برعايا السلطنة من عرب وبلقان وأرمن... ولم يترك شرًّا: تقارير السفراء الأوروبيين سردت الكثير من حوادث الوحشية والقتل والتنكيل التي نفّذتها بإحكام فرق الفرسان الحميدية المرتزقة، بأمر من السلطان.
على الرغم من توقيع المعاهدات بين أوروبا الخجولة والسلطنة، ومن الضمانات للأرمن، والإصلاحات الدستورية سنة 1908، ومصادقة "الباب العالي" على "معاهدة سان ستيفانو"، أحداث أضنة وكيليكيا وحدها حصدت 30 ألف ضحيّة أرمنية. ثمّ سقط السلطان وجاء شباب "الاتحاد والترقي"...
في 24 نيسان 1915، ومع انشغال العالم بأخبار القتال على جبهات "الحرب العالمية الأولى"، بدأ مُخطَّط اغتيال وتشريد الشعب الأرمني. تحدّثت التقارير عن مليون ونصف المليون من ضحايا الإبادة. في الأسماء: رئيس البعثة الألمانية لدی السلطنة Johannes Lepsius وسفير الولايات المتحدة الأميركية في القسطنطينية Henry Morgenthau.
يذكر المؤرّخ Arnold Toynbee في كتابه "Murder of a Nation" (اغتيال أمّة)، مشهد أمّ تصرخ أمام أطفالها الذين يُحرقون: "لقد جُنّت السماء"!
مشهد آخر:
طغاة الأرض يعتبرون جرائمهم مآثر، استنسابًا لقول ماكيافيللي: "الحاجة تبرّر الوسيلة".
من نيرون إلى ستالين إلى فييتنام وهيروشيما والغولاغ، وكما علّمنا الكاوبوي الأميركي كيت كارسون، أن إحراق خيام القش في سهول أميركا، وقتل وإفناء الهنود الحمر "واجبات وطنية"!
كانت طفولتنا البريئة تصفِق لجرائم الكاوبوي على مقاعد "سينما ريفولي" في بيروت - ساحة البرج.
في الختام، أغلب الظن أن ضحايا الأرمن لم يموتوا بالكوفيد ولم يَمعسُهم كميون على طرقات الأناضول وسهول أرارات!

