"بيت بيروت" المعروف سابقًا باسم "مبنى بركات"، هو أحد تلك الأبنية التي ترفض أن تمرّ مرور الكرام. قائمٌ عند تقاطع شارع دمشق، الذي كان يومًا خط التماس الفاصل بين بيروت الشرقية والغربية، ويحمل صمتًا يبدو أثقل من الحجر. عندما وقفتُ أمامه للمرّة الأولى، لم أرَ متحفًا. رأيت جسدًا يحمل آثار البقاء.
شُيّد "مبنى بركات" في عشرينات القرن الماضي، وصُمّم بأناقة وانفتاح. أقواسه الثلاثيّة، وشرفاته الواسعة، وردهه الهوائية، عكست أسلوب حياة متوسّطيًا يحتضن الضوء والانكشاف. كان مخصَّصًا للعائلات. لأحاديث ما بعد الظهر. لحياة يوميّة تنساب بين الداخل والخارج. ومع ذلك، خلال "الحرب الأهلية اللبنانية"، تحوّلت تلك الخصائص المعمارية نفسها إلى أدوات للعنف. وفّرت الردهات المفتوحة خطوط رؤية استراتيجية، ومنح ارتفاع المبنى أفضليّة عسكرية. فتحوّل إلى موقع قنص على طول "الخط الأخضر". الأقواس التي كانت تؤطّر الغروب، أصبحت تؤطّر فوهات البنادق. هذا التحوّل من منزل إلى آلة حرب هو ما يجعل "بيت بيروت" مقلقًا إلى هذا الحدّ. العمارة لم تتغيّر، لكن وظيفتها تغيّرت.
بعد الحرب، هُدمت مبانٍ كثيرة مشابهة. اعتُبرت الواجهات المثقوبة بالرصاص تشويهًا بصريًا. كان هناك مَيل جماعيّ لمحو آثار الصراع. كاد "بيت بيروت" يختفي أيضًا، إذ خطّط المطوِّرون لهدمه. لكنّ ناشطين ومعماريّين ومدافعين عن الذاكرة أصرّوا على أن يبقى، ليس رغم جراحه، بل بسببها.
اليوم، يشبه الدخول إلى "بيت بيروت" السَّير عبر طبقات من الزمن تُركت مكشوفة عن قصد. لم تحاول عملية الترميم تلميع الأذى أو إخفاءه. ثقوب الرصاص لا تزال ظاهرة. الجدران خام. التعزيزات الهيكلية تتجاور مع بقايا ورق الجدران وأرضيّات البلاط. المبنى لا يتظاهر بأن الحرب لم تحدث. وهذا ما يحرّكني أكثر: "بيت بيروت" لا يجمّل الدمار، ولا يبالغ في تصوير المعاناة. إنه فقط يحتفظ بها.
ثمّة قوّة في العمارة التي ترفض النسيان. في بلد لا تزال رواياته الرسمية عن "الحرب الأهلية" مجزأة أو متجنَّبة، تصبح مبانٍ كهذه بمثابة أرشيف بديل. لا تتحدّث عبر الخطب أو الكتب المدرسية، بل عبر الذاكرة المادية. وأنا أقف على إحدى شرفاته المطلّة على ما كان يومًا خطّ مواجهة، أفكّر كثيرًا في كيف تمتصّ المدن العنف. بيروت أعادت بناء نفسها مرارًا. ترتفع الأبراج، ويحلّ الزجاج مكان الحجر. لكن تحت السطح، تبقى آثار في الأساسات، في ندوب المدينة، وفي الوعي الجمعي.
يعلّمنا "بيت بيروت" أن الحفظ لا يعني تجميد الجمال، بل صون الحقيقة. كما يطرح أسئلة غير مريحة: كيف نعيش إلى جانب أماكن شهدت العنف؟ هل ينبغي تحييدها وتحويلها إلى فضاءات ثقافية فقط؟ أم ينبغي أن تستمرّ في إثارة التأمل؟
بالنسبة لي، يمثل "بيت بيروت" توازنًا نادرًا. هو اليوم متحف ومركز ثقافيّ ومساحة للمعارض والنقاشات، لكنه يحتفظ بجراحه. يتيح للفن والحوار وتجمّعات الشباب أن تنبض داخل جدران كانت يومًا تقسم المدينة. هذا التحوّل ليس رمزيًا فحسب بل جذريًّا. لأن ما كان يومًا موقع قنص، أصبح مساحة للحوار. وربّما هذه هي رسالة بيروت الهادئة: يمكن للأبنية، مثل البشر، أن تحمل الصدمات وتختار رغم ذلك غاية أخرى.
يقف "بيت بيروت" ليس كنصب للحرب، بل كتذكير بأن الذاكرة حين تُصان بصدق يمكن أن تصبح أساسًا لشيء أكثر إنسانيّة.
*باحث في الذاكرة الحضرية وتاريخ بيروت