بعد أيام من المراوغة وشراء الوقت، سلّمت طهران أمس ردّها على المقترح الأميركي الأخير إلى إسلام آباد، التي نقلت الردّ إلى واشنطن. وكتب الرئيس ترامب على منصّته "تروث سوشال": "لقد قرأتُ للتوّ الردّ الصادر عن مَن يُسمّون "ممثّلي" إيران. لا يعجبني - غير مقبول إطلاقًا!"، ما يرفع احتمال تجدّد الحرب. وكشفت وسائل إعلام إيرانية أن الردّ تمحور حول إنهاء الحرب على الجبهات كافة وإنهاء الحصار البحري ورفع العقوبات المفروضة على طهران. وأوضحت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن إيران أرسلت رسميًا ردًا من صفحات عدة، عرضت فيه مطالبها الخاصة بالتفصيل، وأبقت فجوات قائمة بين الجانبين، مشيرة إلى أن الرد لا يحسم المطلب الأميركي بالحصول مسبقًا على التزامات في شأن مصير البرنامج النووي الإيراني ومخزونها من اليورانيوم العالي التخصيب. وبدلًا من ذلك، تقترح إيران إنهاء القتال وفتح مضيق هرمز تدريجيًا أمام حركة التجارة، بالتزامن مع رفع أميركا حصارها عن السفن والموانئ الإيرانية.
وكشفت الصحيفة أن القضايا النووية سيجري التفاوض عليها خلال الأيام الـ 30 المقبلة. وتقترح إيران تخفيف تخصيب جزء من اليورانيوم العالي التخصيب لديها، ونقل الكمية المتبقية إلى بلد ثالث، لكنها رفضت تفكيك منشآتها النووية، وفق الصحيفة. وتزامن الردّ على المقترح الأميركي مع حراك دبلوماسي قطري مكثف وتصعيد إيراني ميداني وكلامي، فيما نُشرت تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تشي بأنهما مستعدان لاستئناف الحرب في حال لم تفضِ المفاوضات إلى تحقيق أهدافهما. وجدد ترامب، عبر منصته "تروث سوشال"، انتقاده للاتفاق النووي الذي عقده الرئيس الأسبق باراك أوباما مع الملالي، حاسمًا أن "إيران دأبت على التلاعب بأميركا وبقية العالم طوال 47 عامًا.... لن يضحكوا بعد الآن".
وكان ترامب قد أكد خلال مقابلة سُجّلت الأسبوع الماضي وبُثّت أمس، أن الجيش الأميركي يمكنه أن "يتدخل لأسبوعين إضافيين ويضرب كل هدف" في إيران، موضحًا أنه "كانت لدينا أهداف معيّنة، وقصفنا على الأرجح 70 في المئة منها، لكن هناك أهدافًا أخرى يمكن نظريًا أن نضربها". ولدى سؤاله عن مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، جزم ترامب بأنه "سنحصل عليه في مرحلة ما، متى شئنا، وسنُبقيه تحت المراقبة"، متوعدًا بأنه "إذا اقترب أي شخص من المكان، فسنعلم بذلك وسنفجّره"، في حين أفادت القيادة المركزية الأميركية بأن أكثر من 20 سفينة حربية تعمل على فرض الحصار على إيران، مشيرة إلى أن قواتها أعادت توجيه 61 سفينة تجارية، وعطّلت أربع سفن لضمان الامتثال للحصار.
إسرائيليًا، رأى نتنياهو أن الحرب ضد إيران "حقّقت الكثير، لكنها لم تنتهِ"، مشيرًا إلى أن إيران لم تتخلَّ عن اليورانيوم المخصّب، ولم تفكّك مواقعها النووية، كما أنها لم توقف دعمها لوكلائها الإقليميين، ولم توافق على أي قيود على برنامجها للصواريخ الباليستية. وأوضح: "لقد أضعفنا قدرًا كبيرًا من ذلك، لكن كل ذلك لا يزال موجودًا، ولا يزال هناك عمل ينبغي القيام به". وعندما سُئل عمّا إذا كانت هناك خيارات عسكرية للاستيلاء على اليورانيوم المخصّب، أجاب نتنياهو: "لن أتحدث عن وسائل عسكرية، لكن ما قاله لي الرئيس ترامب هو: "أريد أن أدخل إلى هناك". وأعتقد أن ذلك يمكن أن يتم فعليًا. هذه ليست المشكلة. إذا كان لديك اتفاق، ودخلت وأخذته إلى الخارج، فلمَ لا؟ هذه هي الطريقة الأفضل".
أما على مستوى الحراك الدبلوماسي القطري الساعي إلى كسر جمود المفاوضات، فاجتمع رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبدالرحمن مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو والمبعوث ستيف ويتكوف في ميامي، حيث استعرضوا علاقات التعاون والشراكة الاستراتيجية الوثيقة بين واشنطن والدوحة وسبل دعمها وتعزيزها في مختلف المجالات، خصوصًا في مجالَي الدفاع والطاقة، كما ناقشوا آخر تطورات الأوضاع في المنطقة، والوساطة الباكستانية الهادفة إلى خفض التصعيد. وكان بن عبدالرحمن قد التقى نائب الرئيس جيه دي فانس في واشنطن الجمعة.
وأجرى بن عبدالرحمن اتصالا هاتفيًا برئيس مجلس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، أكد خلاله دعم بلاده الكامل للوساطة الباكستانية، مشدّدًا على ضرورة التجاوب مع هذه الجهود وصولا إلى اتفاق شامل يحقق السلام المستدام. وناقش الوزير القطري مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان عبر الهاتف الجهود الهادفة إلى خفض التصعيد، كما أجرى اتصالا هاتفيًا مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، شدد خلاله على أن حرية الملاحة تُعد مبدأً راسخًا لا يقبل المساومة، جازمًا بأن إغلاق هرمز أو استخدامه كورقة ضغط لا يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة وتعريض المصالح الحيوية لدول المنطقة للخطر، في وقت استهدفت فيه إيران سفينة في المياه الإقليمية القطرية، كما هاجمت الإمارات والكويت بمسيّرات.
في المقابل، أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أنه "لن نحني رؤوسنا أبدًا أمام العدو، وإذا طُرح الحديث عن الحوار أو التفاوض، فهذا لا يعني الاستسلام أو التراجع، بل إن الهدف هو صون حقوق الشعب الإيراني والدفاع عن المصالح الوطنية بقوة راسخة"، بينما رأى سفير طهران لدى بكين أن الصين يمكن أن تكون ضامنًا لأي اتفاق محتمل مع واشنطن. ورجّح مسؤول أميركي كبير لوكالة "رويترز" أن يناقش ترامب ونظيره الصيني شي جينبينغ دعم الصين لإيران وروسيا خلال لقائهما المقرر عقده في بكين هذا الأسبوع. كما توقع مسؤول أميركي رفيع المستوى أن يمارس ترامب ضغطًا على شي في شأن إيران، وفق وكالة "فرانس برس".
في الغضون، كشفت وكالة "مؤسسة الإذاعة والتلفزيون" الإيرانية أن قائد مقر "خاتم الأنبياء" المركزي علي عبد اللهي التقى المرشد الأعلى مجتبى خامنئي وقدّم له تقريرًا حول أوضاع القوات المسلحة الإيرانية، مشيرة إلى أن عبد اللهي تعهد لخامنئي بأن أي "خطأ استراتيجي أو اعتداء أو هجوم" من جانب الأعداء سيُواجَه "برد سريع وعنيف وحاسم". وذكرت أن خامنئي أعرب خلال اللقاء عن "تقديره" لأداء القوات المسلحة الإيرانية.